السياسة الأمريكية من البراجماتية إلى الأيديولوجيا

20
توصف السياسة الأمريكية، بأنها براجماتية، تستند فيها قرارات القادة الأمريكيين على المصلحة، وليس هناك مكان للأيديولوجيا. وقد اعتاد الإعلام الإمريكي، حتى انتهاء الحرب الباردة، توجيه تهمة الدغمائية لغريمه السوفييتي.
ومع التسليم بأن السياسة الأمريكية، اعتمدت في الغالب على تبني مبدأ ليست هناك صداقات أو عداوات دائمة بل إن البوصلة دائما هي المصالح، لكن القادة الأمريكيبن كانو يستخدمون مصطلحات إيديولوجية في مواجهة خصومهم، سواء في الحرب ضد النازية، أو فيما بعد أثناء احتدام الحرب الباردة. فدول المحور، وصفت بقوى الشر، والصراع مع الشيوعية هو صراع بين الإيمان والإلحاد. وقد تعدى ذلك المواجهة الإعلامية، حين طرحت إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، بالخمسينيات من القرن الماضي، مشروع ملء الفراغ بما بعرف ب”الشرق الأوسط”، وتبنت مشروع وحدة الإديان السماوية. وبلغ الأمر حد الدعوة لعقد مؤتمر في بحمدون بلبنان يضم علماء دين مسلمين ومسيحيين، لصياغة استراتيجية لمواجهة التغلغل الشيوعي، في أوساط الشباب. لكن تلك المواقف الأيديولوجية لم تمثل نهجا عاما بالسياسة الأمريكية، ولم تحل دون التعاون المشترك بين الغرماء، للحد من سباق التسلح النووي، وعقد معاهدات مشتركة للحد من مخاطر سلاح الرعب، كما لم تحل دون انفتاح السياسة الأمريكية، في أواخر الستينيات من القرن الماضي على الصين الشعبية، في أوج اشتعال ثورتها الثقافية، التي قادها ماو تسي تونج، حين قام هنري كيسنجر مستشار الرئيس ريتشارد نيكسون بزيارة للصين الشعبية والتقى بالأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، ماو.
يمكن القول أن الانتقال الواضح في السياسة الأمريكية، من البراجماتية إلى الآيديولوجيا، قد أخذ مكانه في مطالع الثمانينيات من القرن الماضي، حين تسلم رونالد ريجون، الذي شغل منصب حاكم كاليفورنيا، عن الحزب الجمهوري سدة الحكم، بالبيت الأبيض، لدورتين رئاسيتين، أعقبهما تسلم نائبه جورج بوش سدة الرئاسة لدورة واحدة. وقد كان ذلك حالة استثنائية ونادرة بالعصر الحديث بالنسبة للجمهوريين، حيث لم يكن مألوفا أن يتسلموا دفة الرئاسة لثلاث دورات متعاقبة. وقد شكل عهد ريجون بداية التغلغل الواسع للدولة العميقة في شؤون الحكم، بحيث طغى هذا الدور في كثير من الأحيان، كما كان الحال أثناء فضيحىة إيران جيت على دور الرئيس.
في عهد الرئيسين ريجون وبوش نشطت الكنيسة أكثر من أي وقت مضى. وتبنى الرئيسان شعاراتها ومطالبها، كمنع الإجهاض، ومحاربة المخدرات، ومعارضة المثليين. والغريب أن تلك اللحظة شهدت صعودا موازيا للكنيسة في أمريكا اللاتينية، ولكن باتجاه معاكس، حيث دعمت حركات التحرر، وطالبت بفك الارتباط الاقتصادي والسياسي ودعت إلى تخلص أمريكا الجنوبية من الهيمنة الأمريكية.
وصل بل كلينتون لسدة الرئاسة، عام 1993، في ظل أزمة اقتصادية حادة عانت منها الولايات المتحدة، وانهمك طيلة دورتين رئاسيتيين، بمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، وشهدت البلاد أثناء رئاسته انتعاشا اقتصاديا، أدى إلى تراجع البطالة وزيادة الدخل، وانتهى بتضخم كبير في الأسعار. وانشغلت إدارته أيضا، بترتيب وإعادة تشكيل دورها السياسي والعسكري في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، والكتلة الإشتراكية.
في عام 2001 تسلم جورج بوش الإبن سدة الرئاسة، بعد صراع حاد بين الحزبين المتنافسين، الجمهوري والديمقراطي، على نتائج الانتخابات الرئاسية وبشكل خاص في ولاية فلوريدا، التي جرت آنذاك وتنافس فيها نائب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، البرت آل جور وجورج بوش الإبن، حسمت في النهاية لصالح الأخير، لكنها ألقت بظلال كثيرة، على مشروعية وصوله إلى البيت الأبيض.
وصل بوش الإبن للرئاسة، مدعوما بكتلة المحافظين الجدد، الذي برز من بينهم رئتشارد بيرل، وديك تشيني، ودونالد رامسفيلد. وفي السنة الأولى لوصوله للحكم، حدث إعصار سبتمبر 2001، حيث جرى اختطاف أربع طائرات مدنية، كانت في رحلات داخلية، وتوجهت طائرتان لمبنى مركز التجارة الدولي بنيويورك، وطائرة ثالثة توجهت لمبنى البنتاجون بمدينة واشنطون، وأسقطت الطائرة الرابعة في ظروف مجهولة. واستغلت تلك الحادثة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية بالشرق الأوسط. ورفعت شعارات أيديولوحية مثل شعار من لم يكن معنا فهو ضدنا، وجرى تقسيم العالم إلى محورين: محور الخير وتقوده أمريكا، بزعامة بوش، والمعسكر الأخر، يشمل جميع الدول التي تناهض سياساتها. واستخدمت أثناء الحرب لاحتلال العراق وأفغانستان، عبارات، لم تكن مألوفة من قبل الزعماء الأمريكيين في السابق، كالحرب الصليبية، ودمقرطة الشرق الأوسط، وإسقاط الأنظمة الديكتاتوريةوالفوضى الخلافة، وجميعها تعابير، تحمل مضامين أيديولوجية. وكانت حقبة استثنائية، لم يشهد لها العالم مثيلا، منذ سقوط المكارثية التي برزت في الأيام الأولى للحرب الباردة.
​​​​​​​​​د. يوسف مكي

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي