السودان وتحديات المستقبل

0 408

 

أصبح مؤكدا أن انفصال جنوب السودان عن المركز الأم بات مسألة وقت. وبدأت تصريحات قادة الدولة الجنوبية المرتقبة تتحدث علنا عن النية في إقامة علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”،

وفتح البوابة الجنوبية للكيان الصهيوني، لتكثيف التسلل للعمق الأفريقي، لتضيف إلى الخناجر المسمومة، التي تهدد الأمن القومي العربي خنجرا آخر، تتعدى مخاطره البعد الوطني السوداني، إلى وادي النيل بأسره.

 


ليس هذا الاستنتاج، عن النوايا الصهيونية رجما بالغيب، فقد أكدته مراكز الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية، وورد بوضوح في تصريحات لزعماء صهاينة. لعل الأهم منها، ما ذكره وزير الأمن الإسرائيلي، آفى ديختر في محاضرته التي نشرها معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في سبتمبر 2008، حيث ذكر أن لدى إسرائيل خطة استراتيجية ثابتة تجاه السودان، الهدف منها عدم تمكينه من أن يصبح دولة مهمة بالمنطقة، تضيف إلى قدرات البلدان العربية.


إن الرؤية الإسرائيلية للسودان، قد تبلورت منذ استقلاله عام 1956، وأثناء التحضير للعدوان الثلاثي على مصر، وفقا للمحاضرة المذكورة. والغاية هي تمزيق وحدة السودان عبر الحروب والفتن الداخلية، اعتمادا على الدعم الأمريكي والأوروبي.


وكانت رئيسة الحكومة الإسرائيلية، أثناء حرب أكتوبر عام 1973، غولدا مائير قد أشارت بعد نكسة يونيو إلى أن تقويض الأوضاع الداخلية في السودان والعراق باستغلال الثغرات العرقية وغيرها جزء أساسي، وفي العمق من التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي. ومن وجهة نظرها، فإن استهداف وحدة العراق والسودان، ستجعل العمق الاستراتيجي لدول المواجهة: مصر وسوريا والأردن مكشوفا، في أية حرب مع إسرائيل.


في هذا السياق، يأتي السباق الإسرائيلي على اكتساب مواقع في إثيبوبيا وأوغندا وكينيا وزائير، بأهداف مركبة، أهمها الانطلاق من هذه المناطق لعزل الجنوب السوداني ودارفور عن المركز، والتسلل إلى بقية القارة الأفريقية. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، أرييل شارون، قد كشف عام 2003، عن نوايا حكومته للتدخل في دارفور، مؤكدا أن الوقت قد حان، لولوج غرب السودان بالآلية والوسائل، وبذات الأهداف التي من أجلها جرى التدخل في الجنوب.


هذه المقدمة تقودنا إلى نتيجة مؤداها أن انفصال جنوب السودان عن المركز الأم لن يكون نهاية المطاف، ولن يسود السلام والوئام أرض السودان، بعد الاقتراع عليه. سيعمل أعداء الأمة على أن يكون الانفصال مقدمة لبراكين وعواصف قادمة في هذا البلد العزيز. وستتبعه مشاكل كبرى، لن تقتصر على تآكل جرف الوطن العربي، في كل الجهات، وجعل العمق الاستراتيجي للأمة مكشوفا فحسب. بل استخدام المناطق التي يجري انفصالها عن الوطن العربي، كقواعد انطلاق للعدوان عليه.


إن مقدمات البراكين القادمة، قد بدأت منذ الآن، في المفاوضات الأولية المتعلقة بالاستفتاء. فالتشابك الجغرافي والديمغرافي بين عموم السودان، الذي استمر لحقب طويلة، سيطرح قضية تحديد ماهية الجنوب وحدوده، كما سيطرح قضايا كثيرة، متعلقة بتوزيع الثروة والمياه، والعلاقات بين “الدولة المرتقبة” وبين الخرطوم.


ففي تخطيط الحدود بين الجنوب والمركز، برزت مشكلة منطقة ابيي، الغنية بالنفط. وهي مشكلة تقترب إلى حد كبير بمشكلة مدينة كركوك في شمال العراق. وفي كلا الحالتين، تعتبر الحكومة المركزية هذه المدن امتدادا طبيعيا للوطن الأم، وتتمسك ببقائها تحت سيطرتها. وفي كلا الحالتين، وقف الغرب، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، بالضد من رغبات شعوب المنطقة.


في الحالة العراقية، حسمت الإدارة الأمريكية الأمر باحتلال العراق، ومصادرته كيانا وهوية، وفرضت القسمة الطائفية والاثنية عليه، وتركت الباب مفتوحا لمشاحنات الطوائف والأقليات حول

اكتساب كركوك لهذا الفريق أو ذاك. وأصبح في حكم المؤكد تبعية هذه المدينة للحكومة الكردية. أما في السودان، فإن إدارة الرئيس أوباما، تمسك بعصا غليظة من جهة، وتلوح بالجزرة من جهة أخرى. فكلينتون تعد الحكومة السودانية، برفع العقوبات عنها، وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بما يعني العمل على إلغاء قرار المحكمة الدولية باستدعاء الرئيس البشير للمثول أمامها. وتعد أيضا بتقديم حوافز اقتصادية في حالة التزام الحكومة بالموعد المحدد للاقتراع على انفصال الجنوب، في منتصف يناير القادم.


إن ذلك يعني أن الحكومة السودانية، قد وضعت بين خيارين أحلاهما مر: إما أن تسلم بكافة المطالب الجنوبية، بما في ذلك التفريط بمدينة أبيي، أو الاستعداد لجولة أخرى من العنف المدعوم بشكل مباشر من الأمريكيين والأوروبيين والصهاينة، بجنوب السودان وغربه، وبقاء العقوبات “الدولية”، سيفا مسلطا على رقبتها. وفي كلا الحالتين فإن صناع القرار في السودان هم في وضع لا يحسدون عليه.


على صعيد توزيع الثروة، تبدو المسألة أقل حدة من المحاور الأخرى. لكن حين يتعلق الأمر بتقاسم المياه، فهناك مشكلة كبرى تواجه مصر والسودان، خاصة إذا ما قفز الصهاينة والغرب بثقلهم إلى المنطقة. فهناك احتمالات مؤكدة أن تسرع هذه القوى ببناء سدود مائية ضخمة، تحجز تدفق المياه إلى الشمال، بالكميات المعتادة، بما يهدد الأمن المائي العربي في الصميم، ويعرض مستقبل البلدين للمخاطر. ولا نعلم كيف سيتم تجاوز ذلك في ظل الوهن والعجز العربي.


الوضع العربي الراهن لا يشي بقدرة النظام العربي الرسمي، على تقديم أي شيء، وتجربة العراق الجريح ماثلة أمام الجميع. فالقادة العرب الذين اجتمعوا في قمة بيروت قبيل العدوان على العراق، تبنوا فيه رفض العدوان، وأكدوا تمسكهم بميثاق الأمن القومي العربي الجماعي، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، رأوا ما بين النهرين، يذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يحركوا ساكنا,


بمعنى أخر، إن على الحكومة السودانية أن لا تعول كثيرا في هذه المرحلة على أي دور عربي رسمي لمساندتها فيما تتعرض له من ضغوط، دولية وإقليمية. لكن ذلك لا يعني عدم قرع جرس الإنذار، والعمل بالصعيد القومي، على اجتراح وسائل عملية، تمثل الحد الأدنى من التضامن العربي مع الأشقاء في السودان، خاصة وأن مخاطر الصمت عما يجري فيه، لا يقتصر عليه، بل يشمل مستقبل مصر، بثقلها البشري والحضاري.


إنها إذن فسحة مراجعة، وإعادة قراءة وتقييم ينبغي أن تضطلع بها مختلف القوى الوطنية بالسودان. إنها ذلك يتطلب منها رص صفوفها، والاقتراب من القواسم المشتركة التي تجمعها، والعمل على خلق مقاربة جديدة لمستقبل هذا البلد، بما يضمن خروجه من المأزق وتجاوز الأزمة، وعبور حالة العجز.


لقد أصبح الانفصال، كما تشير جل المعطيات، في واقع المؤكد، لا مناص من التعامل معه، والمطلوب هو بذل قصارى الجهد، أن تنتقل العلاقة بين الشمال والجنوب، من علاقات صراع، إلى علاقات صداقة وسلام، بما يؤدي إلى إحباط المخططات المعادية للأمة، والهادفة إلى جعل التخوم قواعد للعدوان. وليكن التصحيح من الداخل، وتجاوز عقد الماضي هو مقدمة الانطلاق لبناء السودان الجديد.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة + 20 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي