الذاتي والموضوعي في تأبين المفكر الراحل الحوراني

0 406

في الأسبوع الماضي كرسنا الحديث للوفاء ببعض العرفان لفارس القلم وشيخ المؤرخين الدكتور عبد العزيز الدوري. الذي وافاه الأجل في العاصمة الأردنية عمان. وأثناء الاستعداد لكتابة حديث الخميس لهذه الصحيفة الغراء، وصلني بريد حمل خبرا محزنا آخر، هو رحيل المناضل والمفكر الفلسطيني، الأستاذ عبدالله الحوراني، في عمان أيضا، في يوم الاثنين الموافق اﻠ29 من نوفمبر. وكأن قدر هذه المدينة أن تكون محطة رحيل الأحبة إلى العالم الآخر.

 

وإذا كانت الكتابة عن الراحل الدوري، قد اقتصرت على الجانب الموضوعي، كون الراحل علما من أعلام التاريخ العربي، ومن سوء طالعي، أو حسن حظي، أنني لم أحظى بمعرفته عن قرب، ولم تربطني به علاقة شخصية, عدى علاقة القارئ النهم، لمؤرخ مبدع وجزيل العطاء.

إن الأمر مختلف جدا مع الراحل العزيز “أبو منيف”. فقد تعرفت على الراحل الكبير، منذ نعومة شبابي، وربطتني به صداقة استمرت لأكثر من أربعة عقود. وكان خلالها، الأخ والحبيب والصديق ورفيق الدرب. ولم يكن يمر علينا شهر، دون أن نتبادل أطراف الحديث، عبر الهاتف. وكانت لنا محطات لقاء مستمرة بالقاهرة وبيروت والخرطوم وصنعاء والمنامة، إما بزيارات خاصة، أو على هامش انعقاد المؤتمر القومي العربي.

لقد كان للخبر وقع الصاعقة على نفسي، فالراحل العظيم هو توأم الروح، والصديق والحبيب ورفيق الدرب. التقيت به أول مرة، قبل أكثر من أربعة عقود. حدث ذلك عام 1966م، وكنت آنذاك الشاب الصغير، الذي يحاول تلمس دربه، في حين كان أبو منيف قائدا سياسيا بارزا في الحركة القومية، ومديرا للإذاعة والتلفزيون بالقطر السوري. وتقطعت بنا الدروب، منافي وهجرات وخيارات. وأصبحت أتابع أخباره في وسائل الإعلام، قائدا متميزا بالجرأة والشجاعة، في الحركة الوطنية الفلسطينية.

في المؤتمر القومي العربي الذي عقد عام 2003، بعد احتلال العراق بفترة وجيزة في العاصمة اليمنية صنعاء، التقيت بالراحل الغالي من جديد. ومنذ ذلك التاريخ، لم ننقطع أبدا عن بعض. ولم يكن يمر علينا شهر، دون أن نتبادل أطراف الحديث، عبر الهاتف. وكانت لنا محطات لقاء مستمرة بالقاهرة وبيروت والخرطوم وصنعاء والمنامة، إما بزيارات خاصة، أو على هامش انعقاد المؤتمر القومي العربي.

حين أقدمت على كتابة هذا الحديث ترددت كثيرا، ومصدر التردد يكمن في التساؤل عن حق الكاتب في تناول علاقاته الخاصة في حديث ينبغي أن يكون بعيدا عن ذلك، لكنني توصلت في النهاية إلى أن الكاتب هو مرآة ذاته، وأن محاولته الفصل بين الذاتي والموضوعي هو عمل تعسفي. إن الكتابة هي تعبير عن القناعات والرؤى والرغبات، وأننا حين نكتب نقوم بعملية إسقاط لآمالنا وأمانينا، وشقائنا وعذاباتنا. ثم من يستطيع أن يؤكد لي فعلا، أن ما كتبته سابقا وكتبه الآخرون، لم يكن ذاتيا. أوليست الأفكار والتحليلات والنتائج هي نسخ أخرى عن الكاتب وتعبيرا عن مشاعره ونوازعه وهواه.

على أن العزيز الغالي الذي رحل، لم يكن بحاجة كثيرا إلى الاستغراق في الذاتي، بدلا عن الموضوعي. فقد كان رحمه الله المثقف، والسياسي، والإعلامي. كتب الكثير عن القضية الوطنية والقومية، وعمل في صفوف الحركة القومية، ثم انخرط بقوة في العمل الوطني الفلسطيني، كان من أوائل القيادات المعاصرة التي حملت على أكتافها قيادة الكفاح الفلسطيني، ومن الرجال الذين آمنوا بفكرة الوحدة العربية، وانخرطوا بالعمل القومي، منذ وقت مبكر، في منتصف الخمسينيات. وفي نهاية الستينيات أصبح مديرا لمحطتي الإذاعة والتلفزيون بالقطر العربي السوري. وانتقل إلى صفوف الثورة الفلسطينية، وعمل مسؤولا في دائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، مسهما في تنقية المشهد الثقافي الفلسطيني، من ثقافة المساومة مع العدو. وأصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة لأكثر من دورة، وعضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي. وقد بقي حتى أيامه الأخيرة، أحد مرجعيات التيار القومي في فلسطين. لقد جعله موقفه العروبي الواضح، وثقافته الموسوعية مرجعية ومحطة وصل بين مختلف القوى السياسية الفلسطينية، مع حرص شديد على بقاء أبوابه مشرعة أمام البسطاء من الناس.

وخلال مسيرته النضالية الطويلة، عرف عنه شجاعته ومواقفه المبدئية، حيث لا مساومة في الموقف. يتجلى ذلك في استقالته من عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، عام 1993م، إثر توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية اوسلو، لكي لا يسجل في تاريخه الشخصي ما يمكن أن يثير أسئلة حول موضوع الوطن والأمة في سيرته، الحافلة بالكفاح والنضال.

وكان رحمه الله من القلة الذين واجهوا بالكلمة والقلم العدوان على العراق، الذي انتهى باحتلاله. ومن موقعه في قطاع غزة، عمل على تشكيل لحنة إعلامية مساندة لهيئة الدفاع عن القيادات السياسية التي حكمت العراق، حتى عشية سقوط بغداد. كما شكل لجنة تحت مسمى اللجنة الشعبية الفلسطينية لنصرة العراق، بقي يشرف عليها حتى وفاته.

وكان وضع اللاجئين بالمخيمات الفلسطينية، أحد أهم شواغل أبا منيف، وقد نعته اللجنة التنفيذية

لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيان موجه إلى جماهير الشعب الفلسطيني بالوطن والشتات, وأشارة إلى أنه من “المدافعين المخلصين عن الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وساهم إلى جانب مؤسسي الثورة الفلسطينية المعاصرة في صيانة الهوية الوطنية الفلسطينية وأبعادها الإنسانية بنشاطه الوطني والقومي الكبير”. وأكد البيان انه “برحيل هذا القائد الكبير تفقد الحركة الوطنية الفلسطينية علماً من أعلامها الذين أفنوا حياتهم دفاعاً عن الوطنية الفلسطينية ورمزها المتمثل في منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده”.

أما حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” فقد وصفت الراحل، بالقائد الوطني والمفكر القومي، معتبرة رحيله خسارة وطنية وعربية وإنسانية نظرا لمكانته المرموقة في المستويات الوطنية والقومية الفكرية والثقافية. وأشادت في بيان صدر عن مفوضية الإعلام والثقافة موجه إلى مناضلي الحركة والشعب الفلسطيني والأمة العربية وللأحرار في العالم، بالخصال والقيم الأخلاقية والثبات على المبادئ التي ميزت سيرة حياة الفقيد، وبشكل خاص دفاعه عن الحقوق الوطنية والهوية السياسية للشعب الفلسطيني. وأكدت أن الراحل الحوراني، “من أحد القادة الأوائل للثورة الفلسطينية المعاصرة” وأنه “ساهم بصياغة الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وربطها بجذورها القومية وتعميق أبعادها الإنسانية، حيث تميز فقيد فلسطين بحراك وطني قومي على الصعيدين النضالي والفكري”. لقد كان الفقيد “دائم التعبير عن إرادة شعبنا وإيمانه بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم وموطنهم الأصلي فلسطين، كما كان قائدا حواريا ووحدويا يشهد القادة الفلسطينيون لمنهجيته، ولثقافته الوطنية والقومية التنويرية”.

في رام الله، نعي الرئيس محمود عباس، واللجنة التنفيذية، واللجنة المركزية لحركة فتح، والسلطة الوطنية، فقيدنا، وأشار بيان صادر عن الرئاسة “يذكر أن المناضل الكبير عبد الله حوراني كرس حياته من أجل وطنه فلسطين”.

والفقيد من مواليد قرية المسمية، وأب لأربعة أولاد، حاصل على الإجازة العلمية في الآداب، عاد إلى فلسطين بعد الإعلان عن قيام السلطة الفلسطينية، وأقام في قطاع غزة، وأسس مركزاً للدراسات القومية والوطنية.

ووفقا لسيرته الذاتية، فإن الفقيد بدأ تجربته النضالية أواسط الخمسينات في التصدي لمشاريع توطين اللاجئين، ثم ضد الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة عام 1956 في العدوان الثلاثي، واعتقل لفترة وجيزة. عمل في مجال التدريس، مدرساً ثم مديراً لمدرسة في مخيم اللاجئين بخان يونس، عرفت باسمه حتى الآن، بسبب دورها في النشاط الوطني. أُبعد من قطاع غزة بسبب نشاطه السياسي. وعمل في دبي في مجال التدريس لمدة سنتين، من 63 ـ 1965، عمل في سوريا في حقل الإعلام وكان مديرا لإذاعة فلسطين ثم مديرا لهيئة الإذاعة والتليفزيون السوري، ثم مديرا عاما لمعهد الإعلام بسوريا.

التحق بالثورة. عمل مديرا عاما لدائرة الإعلام والتوجيه القومي منذ 1969 ثم عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية من 1984 – 1996. عارض أوسلو وخرج من اللجنة التنفيذية. لكنه لم يغادر منظمة التحرير، فهو رئيس اللجنة السياسية في المجلس الوطني الفلسطيني.- أسس المركز القومي للدراسات والتوثيق في غزة ويتولى رئاسته.

في السنوات الأخيرة من عمره، عمل الراحل الكبير دون كلل على إحياء فكرة الجبهة القومية التقدمية. وبدأ بالعمل بهذا الاتجاه، وقطع أشواطا جيدة. إن الوفاء لروح الراحل الغالي يقتضي من رفاق دربه العمل على إنجاز ما بدأ به، وتحقيق حلمه العزيز في وحدة العمل القومي العربي، وتحرير فلسطين.

وبالنسبة لي شخصيا، فقد فقدت في رحيل “أبو منيف” الأخ الوفي والصديق الذي لا يعوض، ورفيق الدرب الذي لا يكل ولا يمل أبدا عن التبشير بحلمه وأمله في مجتمع عربي موحد خال من القهر والاستبداد والفساد.

تغمد الله روح الفقيد بالرحمة والمغفرة، وألهم ذويه ومحبيه الصبر وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − 2 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي