الدين والديموقراطية

0 195

 

 

العلاقة بين الدين والديمقراطية كانت أحد محاور المناقشة في ندوة حوارية عقدت بديوانية الثلاثاء التي يقيمها الأستاذ جعفر الشايب، رئيس المجلس البلدي في منطقة القطيف، في الأسبوع الماضي. وكان المحور الآخر هو التجديد الديني. كان البرنامج المفترض في الندوة المذكورة هو أن يعرض الباحث المعروف والصديق الدكتور توفيق السيف لأفكاره في محوري التجديد الديني، وعلاقة الدين بالديموقراطية، وأن يتولى الشيخ فيصل العوامي محاورته حول مرئياته بالمحور الأول، وأتناول بدوري محاورته في المحور الآخر.

 

الأمور في المحور الأول سارت وفقا للسياق المقترح. فيما يتعلق بالمحور الثاني، انقلب الوضع فأصبح المحاور، محاورا. وكان من نصيبي أن أبدأ الحديث. ولأن موضوع الديمقراطية، أصبح محورا مركزيا في البرامج السياسية العربية، وحديثا أثيرا للمناقشة بالفضائيات العربية، في السنوات الأخيرة، وبشكل خاص بعد عاصفة 11 سبتمبر عام 2001. ولأهمية الجدل الذي يدور حول جذورها ومفاهيمها وتطبيقاتها، فقد وجدت من المناسب أن أشاطر القارئ الكريم قراءتي الخاصة لهذا المفهوم وعلاقته بالدين الحنيف.

 

كان تداعي النقاش في المحور الأول، قد هيأ المقدمات للحديث عن علاقة الدين بالديمقراطية. هذه المقدمات تكمن في العلاقة المتبادلة بين المطلق والنسبي. وهذه العلاقة ذات صلة مباشرة ببعدي الزمان والمكان. والمطلقات هنا تعني الثوابت غير القابلة للتغيير، ونعني بها بداهة أركان الإسلام، ورح الدين من عدل ومساواة وإماطة الأذى عن الناس، وتعميم مكارم الأخلاق. إن هذه المبادئ والقيم غير خاضعة لقوانين النسبية، ولا ببعدي الزمان والمكان.

 

وإذن فالدين في روحه وجوهره يحمل مبادئ، تحمل صفة الإطلاق لا النسبية. أما الديمقراطية، فهي من جهة، تحمل روحا تقترب في جوهرها من ذات المبادئ العالمية التي تبشر بها الأديان، من حرية وعدل ومساواة. لكنها في تطبيقاتها، خاضعة للاعتبارات الظرفية.

 

في الحضارة العربية الإسلامية، لم يوجد، على الصعيد النظري، قوالب ثابتة وجاهزة لنظام سياسي إسلامي، واضحة نظمه وهياكله. فالرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام، حسب إجماع غالبية المسلمين، ترك الأمر شورى بين الناس. وتجمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة، واختاروا أبا بكر الصديق، رضي الله عنه خليفة أول لرسول الله. وجاء اختياره من قبل نخبة القوم. أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتولى الخلافة، بوصية من الخليفة الصديق، في كتاب مختوم. وربما كانت خشية الخليفة من حدوث فراغ في المركز الأول، في الوقت الذي يحتدم فيه القتال على جبهة اليرموك بين المسلمين والبيزنطيين، هي التي دفعت بالصديق إلى اتخاذ هذه الخطوة. وبعد محاولة اغتيال الخليفة عمر، وقبل استشهاده رشح ستة من صحابة رسول الله هم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وجرى انتخاب عثمان بن عفان رضي الله عنه من بينهم ليكون خليفة للمسلمين. أما علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، الرابع من بين الخلفاء الراشدين، فقد جرت مبايعته بالمدينة المنورة، إثر الفتنة الكبرى التي استشهد فيها الخليفة عثمان بن عفان.

 

خلاصة القول، أننا هنا إزاء أنصع حقبة في تاريخ الإسلام، بعد حقبة الرسول، لم تتجاوز الثلاثين عاما، شهدنا فيها وصول أربعة من الصحابة لمركز الخليفة. كل واحد منهم وصل إلى قيادة الدولة بشكل مختلف عن بقية الخلفاء، وأصبحت الخلافة من بعدهم “ملكا عضوضا”. وذلك يعني، أن الإسلام لم يشرع طريقة بعينها للحكم، وترك الأمر، اجتهادا للمسلمين، كما رأينا، باعتبارهم أعلم بتدبير شؤون دنياهم.

 

هكذا إذن كانت طريقة الحكم، خاضعة للمعايير الظرفية، بمعنى آخر، للنسبي وليس المطلق، شريطة أن لا تتعارض مع روح العقيدة، كما نص عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وأساسها العدل والمساواة واحترام كرامة الإنسان.

 

الديموقراطية، كمفهوم هي حكم الشعب، ويعادلها في الإسلام الإجماع والشورى، وهي كلمة لاتينية. أما من حيث الإجراء، فإن المفهوم ذاته ليس ساكنا، فقد حدثت في طريقة تطبيقه تطورات هائلة، خضعت بدورها لمتغيرات ظرفية، زمانية ومكانية. وتمحورت حول الكيفية التي يحكم الشعب فيها نفسه.

 

في الإرث السياسي الأرسطوي، كانت بداية الحديث عن الديمقراطية بالمجتمع الأثيني. وكانت ديموقراطية تخص الطبقة الأرستقراطية، ويستثنى من ممارستها العبيد والبرابرة والنساء, والمسموح لهم بحق الانتخاب هم أولئك: “المكتملون إنسانيا بجدارة”.

 

في التاريخ الحديث ارتبطت الديموقراطية بالفكر السياسي الغربي. وجاءت تعبيرا عن انتقال رئيسي في مراكز القوى الاجتماعية، وتحديدا أفول الإقطاع وبروز الطبقة الصناعية، وما صاحبه من بناء مدن صناعية ضخمة وانتقال من الأرياف إلى المدن. وقد تزامن قيام الثورة الصناعية الأولى، ببروز أفكار بشرت بالمرحلة الجديدة، وسادت أوساط الكنيسة من جهة، والنخب الفكرية من جهة أخرى. وكانت تلك التطورات هي المقدمات اللازمة التي هيأت لاندلاع ثورتين رئيستين غيرتا من وجه التاريخ، هما الثورة الفرنسية والثورة الإنكليزية.

 

على صعيد الكنيسة، برزت حركة الإصلاح الديني، التي قادها مارتن لوثر، والتي أجازت ترجمة الإنجيل للغات الحية، وألغت صكوك الغفران. وبرزت البروتستانية حركة دينية مسيحية تتجانس في مقولاتها ومناهجها مع التحولات الاجتماعية الكبرى الجديدة، لدرجة جعلت مفكرا غربيا، هو ماكس فيببر، يرى في القانونية العقلانية، التي هي أعلى مراحل الديمقراطية، تعبيرا عن الأخلاق البروتستانية.

 

ومن جهة أخرى، كان مصلح آخر، هو كالفن يقود حركة إصلاح ديني أخرى في فرنسا. ويسهم بقوة في الفصل الحاد الذي حصل لاحقا بين الدين والسياسة، وبالتالي بين الدولة والكنيسة. وكان الملك الإنجليزي، هنرى الثامن، قد وضع بملاحقاته للكهنة والقسس، وحملات التعذيب والإبادة في صفوف أفراد المؤسسة الكنسية المقدمات لتحقيق هذا الفصل، ولاندحار المؤسسة الكنسية في آخر الأمر، وتقوقعها في حي صغير من أحياء روما القديمة، هو ما يعرف الآن بدولة الفاتيكان.

 

وعلى صعيد الفكر، برز عدد من المفكرين الذين رفضوا بقاء الحكم في أوروبا على قاعدة “الحق الإلهي”، فأصدر جان لوك كتابه الشهير “اتفاقيتان”، كما أصدر مفكر آخر، هو مونتسكيو، كتابا نال سمعة واسعة هو “روح القانون”، الذي أصبح لاحقا مرجعا هاما في أصول التشريع. كما دفعت التطورات المتسارعة التي مرت بها القارة الأوروبية بمفكر آخر، من فرنسا هو جان جاك روسو إلى إصدار كتاب تحت عنوان “العقد الاجتماعي” أشار فيه إلى أهمية قيام علاقة تعاقدية بين الحاكم والمحكوم، تستند على قوانين وأنظمة ولوائح يصنعها الجمهور. وتزامنت تلك الحركات الفكرية والدينية، بحركة أدبية واسعة، حملت طابعا رومانسيا، وتبشيريا بفكرة التغيير الاجتماعي، وكان في مقدمة الأدباء الذين أسهموا في تلك الحركة هيجو وفولتير.

 

ما هي التطورات اللاحقة، وما علاقتها بالتحولات الكبرى: الثورة الصناعية، الانتقال في مراكز القوى الاجتماعية، وبروز الحركات الدينية والفكرية والأدبية الجديدة. وما تأثيرات ذلك في المجتمع العربي، وبشكل خاص حركة التنوير التي بدأت طلائعها مع الشيخ محمد جمال الدين الأفغاني، وتواصلت مع الشيخ محمد عبده والكواكبي والطهطاوي، والشيخ محد رضا. وما هي خلاصة الجدل التي دار حول العلاقة بين الدين والديمقراطية بين أقطاب حركة التنوير، وأسئلة أخرى ذات علاقة، ستكون محاور لأحاديث قادمة بعون الله.

 

اضف تعليق

اسمك بريدك الالكتروني

 

تعليقك:

تعليقات

 

* تعليق #1 (ارسل بواسطة احمد ابو السعود)

 

اننا -كعرب ومسلمين-فى أمس الحاجة الى تحديد موقفنا من هذه القضايا المصيرية فالديمقراطية أسست أمما حرة يسودها السلام والتقدم والعلاقات السويه بين الحاكمين والمحكومين والاسلام بطبيعته يتفق مع ما فيه مصلحة الجماعة وأيضا التجديد الدينى من الممكن أن يخلص يصحح الكثير الذى علق بالدين من عادات وتقاليد وربما أحاديث نسبت-زورا- للرسول عليه الصلاة والسلام واتخذها من يريدون احياء الشبهات حول الاسلام ذريعة لهم للطعن فى الدين0

 

* تعليق #2 (ارسل بواسطة مستخدم مجهول)

 

حدث خطأ وصحته من الممكن ان يصحح الدين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية عشر − 12 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي