الحوار.. الأنا… الآخر

0 170

في عملية الجلد التي تمارس أحيانا بحق الذات، يطرح بحدة موضوع تقصير المبدعين والكتاب العرب في الحوار والإنفتاح على الآخر. وإلى هذا التقصير يرجع الكثير من سوء الفهم والمواقف، التي تنتهجها دول الغرب عموما، والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص، تجاه قضايانا الرئيسية والمصيرية. وتمارس من خلال هذه الرؤية عملية تبسيط ساذخ واختزال مغرق في سطحيته، يفسر مجمل السلوكيات والمواقف التي يقدم عليها الغرب الإستعماري من مختلف الشؤون العربية إلى جهل فاضح وغياب في المعلومة.. وبالتالي، إلى ضياع الحقيقة، نحن المسؤولون عنه بتقصيرنا عن أداء واجبنا في التخاطب مع الآخر، وتوضيح وجهات نظرنا بطرق جلية ومقنعة.

 

فعلى سبيل المثال، تكيل الحوارات التهم للإعلام العربي والنخب العربية بالتقصير في توضيح حقيقة الصراع العربي- الصهيوني وتطالب بالتحرك لشرح أبعاد القضية الفلسطينية، وتقديم شروح وافية.. وتفصيل التفصيل، وأن ذلك سوف يؤدي بشكل محتم إلى وعي العالم بأسره بعدالة قضايانا، ويغير المواقف، ويجعل الحكومات تنحاز إلى جانب الرأي المؤيد لحق الشعب الفلسطيني في ارضه… وهكذا.

 

وينسحب مثل هذا القول، على الموقف من الحرب العالمية الحالية المعلنة على “الإرهاب”، التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. فهذه الحرب تستهدف منطقتنا، وتسيء إلى ديننا الحنيف، بتصويره دينا يرفض التسامح ويحرض على العنف والإرهاب. ويقترح في هذا الصدد أن نوضح “للآخر، الصورة المشرقة للرسالة الإسلامية الخالدة. ويصار في هذا الصدد باستمرار إلى الإشارة إلى نظرية سامويل هانتينجتون عن صراع الحضارات، وينبري المعارضون لهذه النظرية إلى المطالبة بإحلال مصطنع لنظرية أخرى عن “حوار الحضارات” بديلا عن نظرية الصراع، لكي يعم الكون السلام والوئام، دون وعي منهم بالقوانين التي تحكم العلاقات الدولية، التي ياتي في المقدمة منها صراع المصالح، “وأنه ليست هناك صداقات أو عداوات دائمة، بل مصالح مشتركة…

 

والنتيجة التي نستخلصها من الدعوة للحوار مع الآخر، أنها هي سبيلنا لقلب المعادلة الجائرة، السائدة عالميا بحقنا، لصالح إجبار “الآخر” على الإنحياز والوقوف إلى جانب قضايانا، أو على الأقل، تحقيق قدر مقبول من التفهم لمصالحنا.

 

بهذه الكيفية، تجري وتدار حوارات كثيرة في الفضائيات والصحف ووسائل الإعلام العربية الآخرى، وتسجل الإدانات في النهاية بحق “الأنا” العاجز عن مخاطبة “الآخر” باللغة المعبرة التي تليق بمقامه، ليضاف بذلك إلى سجلات تقصيرنا الضخم تقصير آخر.

 

بهذا المستوى من النقاش، وربما بحدة أقل، دار الحوار قبل عدة ايام في برنامج “أوراق” في قناة الشارقة الفضائية، والذي أدارته الإذاعية المبدعة والشاعرة الصديقة بريهان قمق. وقد كان لي نصيب من المشاركة في ذلك الحوار.

 

وللإعتقاد بأن كثيرا من الطروحات التي تجري في مثل هذه الحوارات ينفصها الكثير من البديهيات والمسلمات، وباتجاه تنشيط الذاكرة الجمعية، فإني أرى من الأهمية تسجيل بعض الملاحظات الجديرة بالإعتبار.

 

أولى هذه الملاحظات، أن المجتمعات الإنسانية ليست كما يبدو على السطح كتلا هلامية، وهي من جهة أخرى، ليست كتلا صماء. إن التقسيم الحاد لـ “الأنا” و “الآخر” يفترض في منطلقاته تجانس كل قطب من أقطاب المعادلة، على حدة وتنافر هذا القطب مع الآخر. وهذا في واقع الأمر فصل تعسفي ينقصه الوعي بوجود تناقضات ومصالح ورؤى وتوجهات مختلفة في المجتمع الواحد، وأن الأمر لا يمكن وضعه في كفة ميزان واحدة عن كل طرف.

 

فعلى سبيل المثال، أشارت تقارير حديثة إلى أن نسبة كبيرة من شعوب أوروبا تتعاطف الآن مع القضية الفلسطينية، وتجد في الكيان الصهيوني تهديدا جديا للسلام العالمي، بينما تقف الحكومات والقوى الطبقية التي تردفها في أوروبا الغربية مؤيدة للمشروع الصهيوني. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أصدر مثقفون بارزون، أثناء الحرب التي شنتها حكومة بلادهم على أفغانستان، بيانهم المشهور “إنها ليست حربنا”، وأدانوا سياسات حكومة بلادهم في أفغانستان والعراق وفلسطين، وبقية منطقة الشرق الأوسط. وبالمثل انقسمت الحكومات والشعوب في أمريكا وأوروبا تجاه العدوان الأمريكي على العراق.

 

هذه المجتمعات، إذا، ليست كتلا صماء، ولا هي بالمتجانسة، بل تتفاعل إنسانيا مع ما يجري حولها، وتحدد مواقفها، ليس بالضرورة على أسس الوعي والمعرفة والإلتزام الأخلاقي، ولكن ضمن اعتبارات المصالح، وهي اعتبارات أكثر وجاهة وتقديرا في عرف المنتفعين وأصحاب رؤوس الأموال، والحكومات التي ترعى مصالحهم.

 

وهذا القول عن “الآخر”، ينسحب أيضا على “الآنا” فهذا –الأنا- ليس مجتمعا ساكنا أو منسجما، ولا يعيش خارج التاريخ. إنه في القلب من هذا العالم يتأثر به ويؤثر فيه، وتحكم العلاقات بين أفراده وطبقاته قوانين الوحدة والتنافر، وهو أيضا خاضع لصراع المصالح واختلاف الرؤى والتوجهات، داخل كل قطر على حدة. وهو بالإضافة إلى ذلك كله، يعيش واقعا مجزءا، فرضته طبيعة المواجهة مع المحتل، ورسم الخرائط بين المنتصرين. وقد أصبحت الدولة القطرية مع مرور الأيام واقعا معترفا به، ومقبولا من قبل شرائع اجتماعية مؤثرة، رغم ما تسببت به من كوارث ومحن، بما يعني أننا أمام أكثر من أنا وأكثر من آخر. والأنا العربي قد تناقض بعضه مع بعضه الآخر في مواقفه، بشكل أصبح معه متعذرا الحديث عن موقف واحد وأنا واحدة. وقد تعاظمت الشروخ وتعددت المنافذ، وتضاربت المصالح بشكل دراماتيكي منذ حرب الخليج الثانية، واستمرت بشكل متصاعد، في البنيان الإجتماعي الواحد في معظم البلدان العربية. أصبح الآخر، يهيمن في القلب من الأنا، ويجد خطوطا عدة تدافع عنه… وتتصدى له هنا وهناك مقاومة، تتواجد أيضا في القلب وفي الاطراف، وهناك في العواصم والمدن الرئيسية للآخر.

 

والخلاصة، إنه لم يعد ممكنا الفصل بين ما هو إنساني على أساس اعتبارات الأنا والآخر، وأن الأمر الذي يجب أن نواجهه، في عملية الإبداع والفن والكتابة هو أننا لسنا قطبا واحدا في مواجهة قطب آخر، بل أن المواجهة هي في داخلنا وضمن شرائحنا، كما هي مواجهة في قلب الآخر وضمن شرائحه. ومن هنا يجب التمييز بين ما هو إنساني وقاثم على أساس الإعتراف بالمصالح والتفاعل بين الشعوب، وبين رفض الإحتلال والإستغلال بكافة شرائحه ومكوناته وأصوله وجنسياته.

 

الملاحظة الأخرى، هي أنه إذا سلمنا جدلا بأهمية تفعيل الحوار مع “الآخر” فإن هناك مشروعية أخرى لا تقل وجاهة، ولها أرجحية مؤكدة عليه، هي حوار “الأنا”. كيف يمكن في ظل انعدام الإعتراف بالتعددية واحترام الرأي الآخر، وتغييب مؤسسات المجتمع المدني أن يتحقق حوار متعادل ومتكافيء مع الذات. كنا في المجتممع القبلي والعشائري نملك أدواتنا الخاصة لمثل هذا الحوار، المنطلقة من وعي المرحلة التاريخية التي كنا نحياها، وتغيرت الظروف، وتراجعت القبيلة في ظل نمو مشوه للإقتصاد وللمجتمع في معظم الأقطار العربية. وفي ظل ضعف التشكيلات الإجتماعية العربية، تعطلت عملية النمو السياسي والإجتماعي والإقتصادي في كل الأصعدة، أفهل من المنطق أن نتكلم عن حوار مع الآخر، دون أن نصلح بيتنا، ودون أن يتعمق الحوار في الداخل مع الأنا.. وكيف يتحقق مثل هذا الحوار؟!

 

اعتقد أننا على أبواب مرحلة انتقال تاريخي عصيب ومرير، لن يمكننا من أخذ مكاننا بجدارة في هذا العالم دون أن نملك الجرأة الكافية على معالجة قضايانا. وليس منطقيا في ظل غياب المؤسسات التي تحتضن المبدع والمفكر والفنان وتؤمن له مستقبله ومستقبل أجياله، أن نطلب منه المستحيل. لا بد من المباشرة فورا، إذا أردنا أن نتخاطب مع الشعوب الأخرى، أن نعالج موقفنا محليا، ونبني مؤسسات المجتمع المدني، وبضمنها الإتحادات والجمعيات التي تتبنى المبدعين والكتاب، وأن تخلق ضمانات اجتماعية، بحيث لا يكون مصير الكثير ونهايتهم كمصير بدر شاكر السياب أو جمال حمدان أو أمل دنقل أو عبد الرحمن منيف.. والقائمة طويلة، وهؤلاء جميعا أعطوا زهرة شبابهم، وقدموا إبداعاتهم دون حدود وكان جزاء سنمار هو نصيبهم..

 

ويبقى تأسيس المجتمع المدني هو المدخل الصحيح لانتصار عمليات الإبداع والعطاء الأدبي والفني، والحوار البناء والهادف بين مختلف الشرائح والطبقات في خندق الأنا ومع الآخر.

 

ـــــــــــــــــــــــ

 

makki@alwatan.com.sa

 

 

 

 

د. يوسف مكي

تاريخ الماده:- 2004-02-04

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × أربعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي