الثورات العربية ومستقبل العمل القومي

0 405

واجه النظام العربي الرسمي، الذي شيد بعد الحرب العالمية الثانية، تحديات كبيرة، ثورات غضب وتمردات وصراعات قبائل، ونزاعات حدود وحروب داخلية، خلال الفترة التي أعقبت تأسيسه. لكنه رغم هشاشته وعجزه ظل متماسكا. لم تختلف المطالب الاجتماعية، التي حملتها مشاريع النهضة كثيرا عن المطالب التي تضمنتها برامج ثورات الشباب.

فالحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي والقضاء على الفساد، كانت ضمن مطالب الغالبية العظمى من الجماهير، في جميع المنعطفات الثورية التي شهدها الوطن العربي.

ما يميز الثورات الحديثة، التي أخذت مكانها في تونس ومصر، ولا تزال تتداعى في ليبيا واليمن، وتطل برأسها في عدد آخر من البلدان العربية، أنها انطلقت من مطالب براجماتية، وأنها نأت حتى هذه اللحظة، عن طرح الشعارات القومية والوطنية، التي طبعت مرحلة النهوض في الخمسينيات والستينيات. فليس هناك حديث عن الوحدة العربية، أو تحرير فلسطين. وطبيعي أن التاريخ لن يعاود حركته بذات الرتابة والطريقة التي سادت من قبل.

الأسئلة التي نحاول الإجابة عليها في هذا الحديث هي بالتحديد: هل تتجه الثورات العربية التي تفجرت مؤخرا، لترسيخ الدولة القطرية، وتغييب العمل القومي العربي، والابتعاد عن تحرير فلسطين؟ وما هو مرد غياب الشعارات والأهداف القومية عن البرامج السياسية للثوار؟ وبالتالي ما هو مستقبل العمل القومي العربي، بشكل عام، والصراع مع الصهاينة، بشكل خاص، بعد ما بدا أنه انتصار محقق للثورات العربية؟.

لقد شغل المواطن العربي، خلال الثلاثة أشهر الأخيرة بالأحداث التي تداعت في تونس وأرض الكنانة، وتسمرت الوجوه أمام أجهزة التلفزة، لمتابعة ما يجري. وفي غمرة الانهماك بما جرى، غابت هذه الأسئلة. وكان ينبغي أن تكون حاضرة باستمرار، بسبب تأثيراتها المباشرة على مستقبل الأمن القومي العربي، وعلى الصراع التاريخي مع الصهاينة. وعلى هذا الأساس فإن تناولها لا يأتي من بوابة الترف الفكري أو الرياضة الذهنية، كونها تتعلق بمستقبل ومصير الوجود العربي بأسره.

يقتضي التنبه في هذا السياق، إلى أن العمل القومي قد شهد انتكاسات مروعة، منذ نكسة الخامس من حزيران/ يونيو عام 1967م. وقد عبر هذا التراجع عن ذاته بصورة دراماتيكية في عجز العرب عن فعل أي شيء أمام الغزو الإسرائيلي لمدينة بيروت صيف عام 1981م، وما تبعها من مجازر صبرا وشاتيلا. وجاءت عواصف حروب الخليج المتتالية، لتكشف عن وهن وهشاشة النظام العربي الرسمي، ولجوئه للخارج للمساعدة في حل صراعاتنا العربية. وبالتوازي مع ذلك أصبح للقوى الكبرى الدور الأساس، فيما توصلت له بعض أنظمة المواجهة ومنظمة التحرير الفلسطينية، من اتفاقيات وتسويات سلمية مع الكيان الغاصب. وقد مكنها ذلك من تحقيق اختراقات واسعة في بنية النظام العربي الرسمي.

وكانت أبرز ملامح العقود الثلاثة الأخيرة، هي قبول فكرة الصلح مع الكيان الصهيوني الغاصب، والتراجع عن مشروع النهضة الذي بدأت طلائعه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، والانقضاض على مشروع العدل الاجتماعي، واتساع الفروقات بين الغنى والفقر، وسقوط الأقطار العربية، الواحد تلو الآخر، في شرك التبعية للامبريالية الأمريكية، وبروز خطاب سياسي متواطئ مع حالة التجزئة، ومعاد للتطلعات القومية في الوحدة والتحرر. وكان العجز أمام صيحات أطفال فلسطين، هو التجسيد العملي لهذا التراجع.

جاءت الثورات العربية مؤخرا، استجابة لنداء الداخل، وردا على استفحال ظاهرة المحسوبية والفساد والاستبداد والسطو على الأراضي والممتلكات، وغياب الحريات، وعدم التمييز بين المال العام والخاص، وتغييب حقوق الناس، وانعدام العدالة الاجتماعية، ووصول حالة التنمية في معظم البلدان العربية إلى طريق مسدود.

وكانت النخب السياسية، الموالية والمعارضة، تقف في مواقع خارج التاريخ، بينما كان اليافعون يمثلون بصدق نبض حركته. كان النأي عن شعارات العروبة والقومية، في هذه الحالة رفض لتكلس النخب السياسية القائمة، باعتبارها نخب شاخت وعجزت عن حمل راية الكفاح الوطني. وهنا تتبدى عملية الخلط بين الفكر والممارسة، وبين الموقف من النخب التي تأكد فشلها، والموقف من المبادئ والأهداف النبيلة التي حملتها تلك النخب.

هذه الثورات، حتى وإن غيبت مرحليا شعارات العروبة والقومية وتحرير فلسطين عن يافطاتها، ستكتشف حتما من خلال فعلها النضالي، وحراكها السياسي، واندفاعها في تيار الحركة التاريخية، أن لا مفر أمامها من العودة إلى عمقها الاستراتيجي. وأن حل جل المشاكل التي واجهتها الأقطار العربية، لن يكون خارج دائرة الهوية والوعي العربيين والانتماء القومي.

فمصر العربية، على سبيل المثال، والتي قادت الصراع مع الصهاينة، منذ تأسيس كيانهم الغاصب، وخاضت أربعة حروب، منذ نكبة عام 1948م، دفاعا عن الكرامة والوجود العربيين، لن يكون بإمكانها، في مناخ سياسي صحيح، أن تدير ظهرها للأمة العربية. لعد سعت قيادة الرئيس أنور السادات، منذ منتصف السبعينيات لإيجاد حل سلمي، مع الصهاينة، لاستعادة شبه جزيرة سيناء، وتمكنت عبر اتفاقية كامب ديفيد من تحقيق ذلك. لكن مصر، ارتهنت مقابل ذلك، جزءً كبيرا من سيادتها، ومن حريتها في الحركة. وتقدمت في عملية التطبيع السياسي والاقتصادي والأمني مع الكيان الغاصب. وطيلة الثلاثة عقود المنصرمة، غلبت القيادة المصرية علاقاتها مع إسرائيل، على مجمل الاتفاقيات التي وقعتها مع أشقائها العرب، بما في ذلك ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وميثاق الأمن القومي العربي الجماعي، واتفاقيات أخرى كثيرة، عقدتها مع البلدان العربية، في إطار العمل الجماعي.

في الثلاثة عقود، وفي غياب مصر عن دائرة الصراع مع الصهاينة، مارست إسرائيل عربدة غير مسبوقة، وامتدت أذرعها لتصل إلى بغداد شرقا وتونس غربا، وأن توسع من مظلتها العسكرية، لتصل باكستان شرقا، والمحيط غربا، وتركيا شمالا إلى أوغندة جنوبا. أما مصر، فقد اقتصر دورها، في أحسن الأحوال، على لعب دور الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو دور لا يقارن بأي حال، بالدور الذي لعبه الوسيط الأمريكي بين العرب والإسرائيليين، والذي أنتج حتى هذه اللحظة ثلاث اتفاقيات هي: اتفاقية كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة.

لا جدال، في أن تحييد الجبهة المصرية وإخراجها من دائرة الصراع العربي مع الصهاينة، هو أهم إنجاز حققه الصهاينة على الإطلاق، منذ تأسيس كيانهم الغاصب. وقد ارتبط هذا الانجاز بجملة من التحولات الإستراتيجية في السياسة المصرية. وسيكون على مصر الثورة والديمقراطية، لكي تتقدم إلى الأمام أن تعيد النظر في علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الكيان الغاصب.

لن يكون ممكنا لمصر، أن تكسب استقلالها الكامل، وأن تتجه حثيثا نحو تنمية حقيقية لشعبها، دون التخلص من أغلال وتبعة اتفاقية كامبد ديفيد، والمضي قدما في تحقيق التكامل الاقتصادي مع بقية البلدان العربية، والاضطلاع بدور قيادي في المنظومة العربية، وإعادة الروح للمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات التي وقعتها مصر في إطار العمل القومي العربي الجماعي وذلك هو مستقبل مصر.

وسوف يسعفها في ذلك، أن المصريين هم العمق الاستراتيجي للحكومة المصرية المنتخبة، وخلفها الشعب العربي بأسره. ويشكل القانون الدولي رصيدا في خدمة استراتيجياتها باتجاه التخلص من القيود التي فرضت عليها. فلا يوجد في القانون الدولي ولا في ميثاق هيئة الأمم المتحدة ما يلزم مصر بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. فنشوء العلاقات وانكفائها، هو أمر سيادي وليس تعاقدي. والمعنية بإقامة العلاقات الدبلوماسية مع أي بلد، بإمكانها الدفع في هذه العلاقة أو التراجع عنها، وفقا لمصالحها ورؤيتها الإستراتيجية. ذلك لا يعني أننا ندعو للحرب، أو نتنبأ بها قريبا مع الكيان الصهيوني. ولكن المتوقع هو أن تشهد العلاقة بين مصر والكيان الغاصب حربا باردة، ليس بالمستطاع الآن تحديد اتجاه بوصلتها.

وتبقى محاور أخرى في الحديث عن الثورات العربية ومستقبل العمل القومي العربي، بحاجة إلى المزيد من التأصيل والتحليل في أحاديث قادمة بإذن الله تعالى.

يوسف مكي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر − اثنان =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي