التنوير والحاجة إلى فكر التسامح

0 455

أخذ عصر التنوير العربي، مكانه أثناء مقارعة السيطرة العثمانية. وجاء فكره في شكل مناداة بتحرير العقل من الخرافات والأوهام، والتخلص من قيود التقليد. وبرز بين رواده، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ورشيد رضا ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي، وكثير غيرهم…

 

ومع بداية القرن التاسع عشر، برزت حركة أدبية واسعة، بالمشرق العربي. فقد قام بطرس البستاني بترجمة التوراة إلى العربية، وألف معجم المحيط، ومعجم قطر المحيط، ودائرة المعارف. وترجم سليمان البستاني إلياذة هوميروس للعربية شعرا. وألف ناصيف اليازجي مجمع البحرين. كما نشطت الحركة الصحفية، فصدرت الوقائع المصرية عام 1838م، وكان من محرريها رفاعة الطهطاوي، وحسن عطار، وأحمد فارس الشدياق، ومحمد عبده.

لكن الوطنية في مصر ارتقت مع رفاعة رافع الطهطاوي الذي تحدث عن رابطة وطنية، مصدرها اللسان. فأبناء الوطن هم تحت إمرة ملك واحد وينقادون لشريعة واحدة وسياسة واحدة. أما الكواكبي، فقد اعتبر العرب أمة واحدة، يجمعها نسب ولغة ودين. وبذلك أعاد التأكيد على المفهوم التراثي للأمة.

ارتبطت الوطنية في عصر التنوير بمنهجين. الأول، تغلغلت فيه الآراء الغربية في الوطن والحرية والدولة، وعبر عن إعجاب بالتراث، وقرن ذلك بالفكر السياسي الحديث. أما النهج الآخر، فتمثل فأكد على أن العرب أمة واحدة، مشددا على الصلة الوثيقة بين الإسلام والعروبة، ذاهبا إلى القول إن الإسلام قام وازدهر بالعرب، وإن السبيل لنهضتهم لن يتحقق إلا بممارسة العرب لدورهم القيادي، في مسيرة النهضة. وقد تطورت هذه الرؤية نظريةً وممارسةً مع البدايات الأولى للقرن العشرين، مسهمة في اندحار الهيمنة العثمانية.

تزامنت اليقظة العربية، بانهيار الرأسمالية المحلية، وغياب الطبقة المتوسطة بفعل تدمير الصناعات الحرفية في حوض المتوسط، بسبب توافد المنتجات الأوروبية رخيصة السعر للأسواق المحلية، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى تراجع أهمية عدد من الموانئ العربية، التي كان لها دور في رفد اقتصادات مصر وبلاد الشام.

وقد صدمت قوى التنوير بقوة شبكة العلاقات القديمة. وواجهت احتلالا أجنبيا جديدا. وعجزت عن إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولم تتمكن من مواصلة مهمتها التاريخية. فقد شعرت، بخطر التغريب كمدمر لقيم حضارتها، ومن جهة أخرى غمرها شعور بالحاجة للتحديث..

يضاف إلى ذلك، إن اليقظة العربية، بما هي مشروع للنهوض، لم تكن نتاج صيرورة وتراكم تاريخي. لقد كانت مشروعا وافدا من الغرب، لم تجر تبيئته. ولذلك بات صدى واهنا لتحولات فكرية وسياسية بالمجتمعات الأوروبية، ونقلا عاجزا عن الارتقاء بمهمته لمستوى يستوعب المحركات الذاتية، وينطلق من التربة الوطنية. فكان أداؤه وجه آخر، للعجز عن المبادرة والإبداع، وتعبيرا عن ضحالة الفكر، وهشاشة الهياكل الثقافية والفكرية والاجتماعية السائدة.

وقفت مشاريع التنوير موقفاً مرتبكاً من مسألة الدولة الوطنية، والتزمت بموقف سلبي منها. ولم تقدم جواباً شافياً لمفهوم الأمة. تأثرت بالتنظير الأوروبي حول هذه المسألة. اقتصرت أدبياتها على عنصر واحد هو اللغة، وغاب الحديث عن الجغرافيا والمواطنة والدولة المدنية.

انتهت حقبة من التاريخ، بنهاية الحرب الباردة. وكان دورنا من جديد هامشيا. أنسقنا لمهرجان ”نهاية التاريخ”، وبلوغ المجتمع الإنساني، مرحلة ”النظام العقلاني”. وعاد الحديث عن الليبرالية باعتبارها قيمةً جديدة، رغم أنها سادت بالغرب لأكثر من قرنين ونصف، من الزمن.

والأنكي من ذلك ، أن عناصر النهضة وضعت في مواجهة بعضها. ووضع المواطن بين خيارين، أحدهما يصادر حرية المواطن، والآخر يصادر الوطن والمواطن. يواجه الاستبداد بالتفتيت، ويقع كثير من المثقفين في حبائل التنظير الهادف لإضعاف الأمة. عنصر نهضوي في مواجهة عنصر آخر من نوعه.

لقد كان عصر الأنوار الأوروبي، نتاج صيرورة تاريخية، وجد حاضنة اجتماعية قادرة على النهوض به. أما التنوير العربي، فافتقر إلى التراكم، وغياب حاضنة اجتماعية قادرة على الأخذ به ونقله من التنظير إلى الممارسة.

ورغم مرور قرابة قرن، على فشل مشروع التنوير العربي، فإن أسباب إخفاقاته لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. فالمجتمعات العربية بقيت رهينة لحالة انسداد تاريخي. وانتكاسة مشاريع النهضة، لم تؤد إلى مراجعة نقدية، ولم ينتج من رحمها مخاض ولادة جديدة.

لقد مورست عملية تجريف فكري شاملة بالمجتمعات العربية، وحين حدثت الاحتجاجات التي عمت قبل خمسة أعوام، كانت العفوية وغياب البرامج السياسية، أهم ملامحها. وكان أهم ملمح لما بعد الحراك، أن العناصر التي قفزت إلى السلطة في معظم هذه البلدان، كانت في بنيتها وأفكارها، في حالة تعارض مع فكر التنوير، مما غيب الطابع الحداثي للحراك.

كما أن ففسيفسائية تداعي الحراك، جعلت من المتعذر وعي المسوغات الحقيقية لاندلاعه، والتعامل معه بنسق واحد. ومن غير شك، فإن أوضاع البلدان العربية، غير متماثلة في واقعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وذلك يعني بالضرورة اختلاف الأدوات، والمبررات التي أدت إلى اندلاع الحراك في كل بلد. فليس الاستبداد وحده، هو مبرر ذلك، وهو أيضا ليس الفقر.

وبغض النظر، عن النتائج التي انتهى إليها هذا الحراك، فإن الحاجة تبقى ماسة لفكر التسامح، وللتنوير والدولة المدنية. “أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × 5 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي