التنمية والتحديث والحرب على الإرهاب

0 438

لن يكون مجديا الحديث عن الإرهاب، الذي طال بأذرعه المختلفة، عددا من البلدان العربية، مهددا أمنها أمنها واستقرارها ووحدتها، عدم ربط الإرهاب في جذوره ومنطلقاته بالإسلام السياسي، وتحديدا بجماعة الإخوان المسلمين.

فعلى الرغم من كل ما يذكر عن الطبيعة السياسية المحضة لهذه الجماعة، وحسبانها على التنظيمات المدنية، والقول باقتصار نشاطها على العمل الدعوي، فإن تاريخ الحركة، يشي بغير ذلك.

 

مر نشاط الإسلام السياسي المسلح، بمراحل هبوط وصعود، وشهد تفرعات وانقسامات. وتزامنت بداية عصره الذهبي، بالمنطقة العربية بالانهيارات التي شهدتها الأمة، إثر نكسة الخامس من حزيران يونيو عام 1967. فقد مرت الأمة العربية، بعد هذه النكسة بجملة تحولات، بالضد من أهداف المشروع النهضوي العربي، الذي بدأت مؤشراته، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، محلقا بمشروعي التحرير والتنوير.

ولعل أهم العناصر التي تزامنت مع بداية العصر الذهبي للإسلام السياسي، هي قبول فكرة الصلح مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، والتراجع عن مشروع النهضة، بشقيه القومي والسياسي، والانقضاض على مبدأ العدل الاجتماعي، واتساع الفروقات عربيا بين الغني والفقر، واستتباع القرارات العربية، للكبار من صناع القرارات الأممية، وبروز خطاب سياسي متواطئ مع حالة التجزئة، ومعاد للتطلعات القومية في التحرر والوحدة.

وكان عجز العرب، عن فعل أي شىئ أثناء ذبح المقاومة الفلسطينية، في بيروت عام 1982، حين تم أول غزو صهيوني لعاصمة عربية، وفشلهم الفاضح أمام صيحات أطفال فلسطين، في صبرا وشاتيلا هو التجسيد الفعلي، لحالة الانهيار العربي. وكان ذلك بمثابة فتح الطريق، أمام تغول الإسلام السياسي في الواقع العربي.

لقد انطلق الإسلام السياسي، في نهاية العشرينات من القرن المنصرم، بعد مرور أقل من عشر سنوات على ثورة 1919م، في مصر بقيادة سعد زغلول. وكان انتصار هذه الثورة إيذانا بأن أرض الكنانة بدأت تتهيأ لمرحلة جديدة، قوامها الاعتراف بالحرية والكرامة الإنسانية. وكان حزب الوفد المصري في حينه، ممثلا سياسيا لحركة التنوير.

وجاءت جماعة الإخوان، بدور وظيفي هو التصدي لهذا الحراك، والتعاون مع الأنظمة الديكتاتورية لسحقه. لكن طغيان التحول الفكري والسياسي في الواقع المصري، لصالح مشروع التنوير أفشل مهام الجماعة. وتكرر الأمر مرة أخرى، مع الحركة الناصرية، مدعوما هذه المرة، بتنظير قطب في معالم على الطريق.

وكانت وظيفة الجماعة هذه المرة، هي أبشع وأعنف من سابقاتها، فقد ارتبط حراكها بالتحالف مع المشاريع الاستعمارية الغربية، التي عملت على إخضاع المنطقة. ومرة أخرى فشلت الجماعة، وفشلت عملياتها الإرهابية. وكان السبب الرئيسي في فشلها، هو غياب الحواضن الاجتماعية لبرامجها وسياساتها. ولم يكن ذلك الفشل محض صدفة، بل لأن القيادة الوطنية في نصر، حاصرتها بمشاريع التنمية والبناء، والتعليم والعلاج الصحي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وبناء تنمية مستقلة.

تقودنا هذه القراءة، إلى نتيجة مؤداها أن مناخات الحرية والإبداع وشيوع مبادئ السلم الاجتماعي، هي مؤشرات رئيسية لمراحل النهوض، حيث لا مجال للإرهاب لتحقيق أي اختراق في المجتمع. وأن حالات الشعوذة والسحر وضحالة الفكر، هي مؤشرات لعهود التردي واستفحال ظواهر الإرهاب، وسقوط الكيانات الوطنية.

هكذا كان التاريخ الإنساني دائما وأبدا.. فحين حوصرت أثينا من قبل اسبارطة، وألحقت الهزيمة بها في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، تحولت السيادة من أثينا منبع الفلسفة والفن، وكان نتيجة ذلك انحطاط العقل الأثيني، وبدأ التمزق والانحدار وتدفق الأفكار الخرافية، وروح الاستسلام، وبدأ انتشار المذاهب الرواقية والأبيقورية واللاأدرية، التي لم تكن تعني سوى ثقافة الهزيمة، محاولة تحقيق التوازن النفسي، للشعب المهزوم.

وتكرر ذلك مرات ومرات، وبرز ذلك بوضوح بعد فشل الثورة الفرنسبة، حيث أعيد مجددا بعث الفلسفة الرواقية. وكان العالم النفسي والثائر فرانز فانون، قد أشار إلى أن حالات العنف التي تصاحب مواسم الفرح وبعض الطقوس الدينية، لدى بعض القبائل الأفريقية، هو عنف غير خلاق وتعبير خارجي عن التأزم النفسي، والكبت نتيجة عنف المستعمر.

وعلى هذا الأساس، فإن المجتمعات الإنسانية، حين تعجز عن مواجهة مصائرها وأقدارها تلجأ إلى الحيل الدفاعية، لتحقيق توازنها النفسي. وهكذا أيضا وأمام الفراغ السياسي، استمد قطاع واسع من الشعب العربي، حيله من ماضيه. فكان إحياء الرممية السلفية، وتغول حركات الإرهاب، تعبيرا عن الانهيار، بعد عجز مشروع النهضة، في تحقيق الحلم اللذيذ في التحرر والانعتاق والبناء والتنمية.

مواجهة الإرهاب، الذي يطرح أبوابنا صباح مساء، والذي يحصد يوميا العشرات من الأبرياء، ينبغي أن تستعيد روح مشروع النهضة. فالحرب الأمنية، التي يقودها رجال بواسل، في عدد من البلدان العربية، شاقة وصعبة، ولن تصل إلى أهدافها، إن هي بقيت مقتصرة على المعالجات الأمنية. فثقافة الموت التي تعممها منظمات الإرهاب، ينبغي أن تواجه بثقافة أخرى. لكن ثقافة النهضة، ليست مجرد أفكار ونظريات بل ممارسة وفعل. إنها ثقافة بناء المصانع، ومشاريع التمنية والبناء وتوسيع دائرة أنشطة الإبداع والفنون، واعتبار الحرية والعدالة جناحان لا يمكن لمشروع النهضة التحليق من غيرهما.

في الأسبوع الأخير، واجهت أرض الكنانة تداعيات غير مسبوق، في أنشطة الإرهاب. وتعهد الرئيس السيسي في خطاب متلفز بالقضاء على الإرهاب. ولأن مصر هي المبتدأ والخبر، ونقطة البداية والنهاية، وقلب العروبة الناهض، وهزيمة الإرهاب في مصر، ستكون فاتحة لهزيمته في بقية الجبهات العربية، فعسى أن تتلازم الحلول الأمنية، التي لا مفر منها، بمشاريع أخرى، في مجالات البناء والتنمية، لتكون سلاحا أساسيا، مردوفا بجهود الجيش والشعب، لأن المهم ليست هزيمة الإرهاب في الميدان فقط، بل هزيمته في أفكاره ومنطلقاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × 2 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي