التفتيت والفوضى وسائل لإجهاض الثورات العربية

0 387

التفتيت والفوضى وسائل لإجهاض الثورات العربية

 

انتصرت ثورتا تونس ومصر، وعاشت الأمة بأسرها ربيعا لم تشهده منذ عقود طويلة. تحركت مكامن الغضب والأمل والثورة، فانطلقت الجموع في عدد من الأقطار العربية، لنيل حصتها في صناعة الفجر الجديد. دونما مقدمات. وفي ظل غياب البرامج السياسية والتجربة التاريخية، انطلقت الثورات بفعل جاذبية ثورة البوعزيزي والهبة الملحمية لأرض الكنانة. تتالت الثورات والانتفاضات، بالجملة في عموم الوطن العربي، آملة أن تسقط حصون الطغيان والاستبداد ومرتكزاتهما.

 

كانت هذه الثورات في سرعة انتشارها وقوة زخمها، مفاجأة الأمة لذاتها وللعالم. ولذلك اتسمت المواقف تجاهها من قبل صناع القرار الدولي، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية بالحيرة والارتباك والمراوحة والضبابية. وحين تأكد حتمية النصر هذه الثورات، تخلى صناع القرار الدولي عن حلفائهم وأعلنوا انحيازهم للثوار، أملا أن يتحقق لهم من خلال ذلك ما عجزوا عنه بموقفهم المناوئ. لكن ذلك لن يغير في كل الأحوال، من حقيقة مواقفهم، ولن يجعلهم تتراجعون عن تنفيذ استراتيجياتهم، التي جرى الإفصاح عنها منذ منتصف السبعيينيات من القرن المنصرم، والهادفة إلى تفتيت الوطن العربي إلى كانتونات ودويلات على أساس القسمة بين الإثنيات والطوائف.

يؤكد ذلك ما يجري الآن، من أحداث مفجعة، على الساحة الليبية واليمنية. فقد رأينا بأم أعيننا كيف يجري تدمير ليبيا. وكيف يجري العمل على تغليب قوة الثوار أحيانا، والعقيد في أحيان آخر، لتستمر حرب الاستنزاف، بما يعزز مشروع تفتيت هذا البلد العربي. ورأينا أيضا كيف يجري العمل على قدم وساق، لتفتيت الوحدة الوطنية في اليمن، من خلال تشجيع النزعات الانفصالية، وتسعير الصراع بين أبناء الشعب الواحد,

كانت مقدمات الإفصاح عن مشروع التفتيت والفوضى قد برزت إثر حرب أكتوبر عام 1973 مباشرة، فأثناءها برزت عدة وقائع جديرة بالرصد، أولاها أن العرب يستطيعون كسب الحرب، وإلحاق الأذى بالمشروع الصهيوني، متى ما تحقق التضامن بينهم، وأن بإمكانهم استخدام ثرواتهم لخدمة مصالحهم الوطنية والقومية. وكان استخدام النفط كعنصر ضغط سياسي في المعركة قد أوحى، وبغض النظر عن أسبابه الحقيقية التي تكشفت لاحقا، أن بإمكان العرب انتهاج سياسة مستقلة، إذا ما تحققت لديهم الإرادة. في تلك الفترة ، صرح وزير الخارجية الأمريكي، ومستشار الرئيس نيكسون للأمن القومي، هنري كيسنجر أنه ينبغي العمل على جعل “إسرائيل” أكبر قوة إقليمية في المنطقة، بعد أن أثبتت نتيجة الحرب أنها أقوى قوة إقليمية، ومر التصريح، دون أدنى اهتمام، من القادة العرب، ولم يلتفت إليه أحد، واعتبر مجرد إسناد سياسي أمريكي آخر، للكيان الصهيوني.

لقد توصل الخبراء الأمريكيون في تلك الفترة، إلى أن تفتيت البلدان العربية سوف يحقق جملة أهداف في آن معا. فهو من جهة، سوف يحول دون تشكيل قوة عسكرية عربية قادرة على التصدي للمشروع الصهيوني، ومن شأن تحقيقه أن يخلق أسبابا جديدة للصراع بين العرب أنفسهم، حول مناطق ومصالح متنازع عليها، كما أنه سيجعل الهيمنة على منابع النفط تتحقق بسهولة ويسر. ومن جهة أخرى، فإن تسعير النزعات الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية من شأنه تفكيك النسيج الوطني للمجتمع، وإشغال العرب باحترابات داخلية طويلة المدى، تجعل بعضهم يلجأ إلى القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية طلبا للعون والحماية. وأخيرا، فإن تفتيت الوطن العربي، سيبقي المنطقة إلى ما لا نهاية سوقا استهلاكية، ويسهم في إعادة تدوير الأموال المتأتية من مبيعات النفط ومشتقاته، إلى مصادرها الأصلية، إلى الدول المستهلكة له بالمركز.

لكن إدارة الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، هي التي بدأت في التحضير لوجستيا لمشروع التفتيت الأمريكي، فشكلت قوة التدخل السريع. وبدأت الأنباء تتسرب عن تدريبات عسكرية في صحاري أريزونا ونيفادا. ولاحقا بدأت على الأرض العربية مناورات أمريكية أطلق عليها “عمليات النجم الساطع” في نهاية السبعينيات. و بدأت بعض الدوريات “العلمية” المقربة من صناع القرار الأمريكي، تتحدث عن العراق، كمنطقة رخوة بفعل تكوينها الفسيفسائي، وأن احتلالها ربما يشكل نقطة الانطلاق لتنفيذ مشروع التفتيت، والاستيلاء نهائيا على آبار النفط.

في بداية التسعينيات، وتحديدا في شهر يناير عام 1990، تحدثت دورية The Nationعن حرب محتملة في نهاية العام. وإثر انتهاء حرب الخليج، وأثناء التحضير لمؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، صرح وزير الخارجية الأمريكي، جيمس بيكر، بأنه سوف يعاد تشكيل الخارطة السياسية لدول المنطقة بشكل أكثر دراماتيكية من تلك التي شهدها الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي تمثلت في فرض “اتفاقية سايكس- بيكو” و”وعد بلفور” بقوة الأمر الواقع، ومضى التصريح دون موقف عربي، ودون سؤال. وقد تزامنت تصريحات بيكر مع صدور دراسة سربتها الاستخبارات الأمريكية تحت عن مشاريع أمريكية تفتيتية للوطن العربي، ومرت تلك الدراسة، كما مرت تصريحات جيمس بيكر دون أدنى اهتمام من قبل العرب.

كانت الإدارة الأمريكية قد بدأت فرض حظر جوي على العراق، بعد فترة قصيرة من انتهاء حرب الخليج الثانية، أريد منه أن يكون المقدمة لرسم “الخارطة الجديدة” “للعراق الجديد”، واتضحت تفصيلات هذه الخريطة فيما بعد، حين وسع الرئيس الأمريكي السابق، بيل كلينتون مناطق الحظر في الجنوب والشمال، تحت ذريعة حماية الأكراد والشيعة لتكون مسطرة دقيقة للخريطة السياسية المرتقبة لعراق ما بعد الاحتلال. وكانت مناطق الشمال، قد أصبحت عمليا وفعليا خارج سيطرة الدولة المركزية، في بغداد، منذ مطلع التسعينيات.

وكان التحضير العملي والمباشر لاحتلال العراق، إثر عاصفة سبتمبر عام 2001، قد ارتبط بالحديث عن فوضى خلاقة، وعن حروب ضد “الإرهاب” تفاوتت في تصريحات المسؤولين الأمريكيين إعداد المشمولين بها. وتزامن ذلك مع صدور تقرير خطير من معهد “راند للدراسات الإستراتيجية” تحت عنوان “الإستراتيجية الكبرى”، ناقش بالتفصيل مخطط تفتيت المشرق العربي، واعتبر احتلال العراق، مجرد محطة على طريق إخضاع البلدان العربية بأسرها.

واحتل العراق، وبشر المحتلون بنظام ديمقراطي جديد، تكشف أنه إعادة بعث لظواهر التخلف التي ودعها العراقيون لقرون مضت، أعيد للنعرات الطائفية والمذهبية والعرقية اعتباراتها، وتشكل أول مجلس انتقالي بهدي تلك النعرات، وقسمت المناصب السياسية بموجب محاصصات هدفت لتفتيت العراق، ومصادرة هويته العربية الإسلامية. وجاءت صياغتا الدستور والفيدرالية فيما بعد متماهيتين مع هذا التوجه.

وكانت مجلة “القوات المسلحة الأمريكية” قد كشفت عن هذا المخطط في عددها الصادر في شهر يوليو عام 2006، عندما تحدثت عن “خريطة الدم” التي تحوي خطة تقسيم الوطن العربي وإعادة رسم خارطته بما يحقق قيام دويلات على أسس طائفية وعرقية، في أرجاء الوطن العربي، وأشير في حينه من قبل بعض الخبراء الاستراتيجيين إلى أن وضع هذا المخطط الجهنمي موضع التنفيذ قد بدأ فعلياً في فلسطين ولبنان والسودان والصومال وأنه مرشح للتمدد إلى عدد آخر من البلدان العربية والإسلامية التي ما زالت مشاريع تقسيمها تحت السطح إلى مراحل لاحقة.

نأمل من القلب أن يتكفل وعي الثوار ويقظتهم بإفشال مخططات التفتيت، وأن يعود للثورات العربية ألقها وتوهجها.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

7 + ستة عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي