التجديد العربي: مسيرة عشر سنوات

0 407

عندما انطلق التجديد في 4 تشرين/ أكتوبر 2002 كان الاستعداد للعدوان الأمريكي على العراق، قد اقترب من نهايته. باعتبار ذلك الخطوة الأولى، على طريق إعادة صياغة خارطة المنطقة، بشكل أكثر دراماتيكية، من ترتيبات سايكس- بيكو، التي أجريت بالمشرق العربي، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

كان عماد الاستراتيجية الأمريكية، التي طرحت تحت شعار الحرب على الإرهاب، قد هدفت لتحقيق أمرين: الأول هو تفتيت الكيانية الوطنية، في الوطن العربي، والثاني هو ليس فقط منع الجيوش العربية من حيازة مستلزمات القوة، بل الحيلولة دون وجود هذه الجيوش.

ورغم أن المقاومة العراقية الباسلة، حاولت تطويق المشروع الأمريكي وتعطيله، فإنه الآن بعد عقد من احتلال العراق، قد حقق كثيرا من أهدافه. فالعراق جرت تجزأته، في جغرافيته، ومكوناته النفسية، إلى أكثر من شطر، وفككت هيكليته الوطنية، وجرى حل جيشه. والسودان يجري فصل الجنوب عنه، ويتم الآن بشكل منهجي، استنزاف قوته العسكرية، إن بالعدوان العسكري المباشر والمتكرر على أراضيه، أو من خلال زجه في أتون حروب أهليه، في الجنوب والغرب، والبقية قادمة… وليبيا، جرى إسقاط نظامها، بقوات الناتو، تحت شعار حماية شعبها، وانتهى الأمر، بتفكيك الجيش، وتفتيت البلاد. والأمر لا يختلف كثيرا، في اليمن، حيث يجري منذ عدة سنوات استنزاف هذا الجيش، في مقارعة القاعدة والحوثيين، ويحضر الآن لتقسيمه إلى ثلاثة كيانات، واحد في الشمال والآخر في الجنوب والثالث في منطقة صعدة. وفي سوريا، فإن شلالات الدم، لا زالت تجري أنهارا، وسوريا من الشمال إلى الجنوب تحولت إلى أطلال، وما لم ينتصر صوت العقل، فإن الأمور تتجه إلى ما هو أسوأ، مهددة بتفكيك هذا الوطن، وتقسيمه إلى كيانات تتحكم فيها أسر وطوائف.

أما قضية العرب المركزية، فلسطين فلم تعد عروبتها ومسألة تحريرها، شعارات ترفعها حناجر الملايين، التي تجمعت في الميادين، في موسم الثورات والاحتجاجات العربية، بل تراجعت كثيرا إلى الخلف. تواضعت مطالبنا، وجل ما أصبحنا نطمح له، هو أن تعود الوحدة بين شطري: الضفة الغربية وقطاع غزة، وكلاهما، بمنطق القانون الدولي، لا يزالا تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. وبالمثل، تراجعت شعارات الوحدة العربية والعدل الاجتماعي، وغابت عن ملايين الحناجر التي طالبت بسقوط الأنظمة العربية.

عاصر التجديد العربي، في رحلته التي استمرت أكثر من عقد هذه التطورات، تفاعل معها وتأثر بها، ولكنه في ذات الوقت، انطلق من بوصلة واضحة ومواقف مبدئية، وجهت حركته.

التزمنا بموقف واضح وصريح، بمناهضة الاحتلال الأمريكي للعراق، وتأييد المقاومة الباسلة التي تصدت له. ولم نقبل بمنطق فرض الديمقراطية بالمنطقة، الذي بشرت به إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش، واعتبرته ذريعة للعدوان على الأمة، فليس أسوأ من الاستبداد، الذي يصادر حرية المواطن سوى الاحتلال، الذي يصادر الوطن وحرية المواطن على السواء. ودحضنا في حينه، مقولة فرض الديمقراطية من الخارج، بشكل مكثف، بالقراءة والتحليل.

طالبنا بتحقيق الوحدة الفلسطينية، باعتبارها المدخل، الذي لا غنى عنه لأي دعوات جادة لمقاومة الاحتلال الصهيوني. ورأينا في الصراع بين حماس وفتح، تمزيقا للجهود، وإسهاما في تكريس الاحتلال.

ساندنا المقاومات العربية، في العراق وفلسطين ولبنان. وحين انتصرت مقاومة حزب الله في لبنان، أمام العدوان الإسرائيلي، في تموز 2006، لم نتردد في التعبير عن فرحتنا، واعتبارها حلقة انتصار كبيرة في تاريخ الأمة ضد العدوان. وكان أملنا كبيرا، ولا يزال، في أن يجري التمييز بين السلاح الذي يوجه إلى العدو، وبين سلاح الميليشيات الذي يمثل خنجرا مسموما في خاصرة الوحدة الوطنية اللبنانية.

وقفنا بقوة مع حق شعبنا العربي، في الحرية والديمقراطية، بما فيها حق التعبير، والحق في التجمع السياسي والنقابي، والمشاركة في صنع القرار، والتداول السلمي للسلطة، عن طريق صناديق الاقتراع، والعدل الاجتماعي، وساندنا الكفاح الشعبي ضد الديكتاتورية وأنظمة الاستبداد، لكن ذلك لم يجعلنا نتهاون أو نتردد عن فضح المشاريع الاستعمارية التي تهدف إلى إخضاع المنطقة، واستكمال تبعيتها للخارج.

وبذات المنطق الحريص على الأمة العربية، وأمنها القومي رفضنا تدخلات إيران في العراق والخليج العربي، وطالبنا حكومتها بانتهاج سياسات، تستند إلى احترام العلاقات التاريخية وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية.

ومن منطلق الحفاظ على استقرار البلدان العربية، وحق شعوبها في الحرية والمساواة، دعونا إلى تحقيق السلم الاجتماعي، وسيادة مبدأ المواطنة، ورفع الظلم عن الأقليات العرقية والدينية، تأمينا للحقوق وصونا لوحدة البلدان العربية، وحمايتها من الاختراقات الخارجية، والسعي دون نجاح مشاريع التفتيت.

وحين اندلعت حركة الاحتجاجات العربية، حذرنا من طابعها العفوي، ومن انتقائية الموقف في النظر إلى هذه الحركات الاحتجاجية. كما أعربنا عن خشيتنا من أن تكون ثورات الشباب أحصنة طروادة لتحقيق المزيد من الانهيارات في جدار الأمن القومي العربي. وجاءت أحداث ليبيا وسوريا لتؤكد صحة مخاوفنا.

ولأن الأزمة في سوريا هي الأخطر، في موسم الحركات الاحتجاجية، بسبب الدور الذي اضطلعت به، في مشروع النهضة، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وتتابع ذلك، في حلقات متصلة منذ ذلك التاريخ حتى عصرنا الراهن، وأيضا بسبب تنوعه الثقافي والديني، ولوحته الفسيفسائية، فإن موقفنا من الأحداث التي جرت فيها ظل أكثر حذرا ويقظة ووضوحا منه في الحالات الأخرى.

فنحن مع حق شعبنا في سوريا في الحرية والانعتاق، ومقارعة الاستبداد والفساد، ومع حقه في اختيار النظام السياسي الذي يليق به. لكننا أيضا، ضد حمل السلاح وممارسة العنف، وتدخلات الخارج في شؤونه. إننا مع وحدة هذا القطر، مع التسليم بحق شعبه في الاحتجاج والتظاهر السلمي، وممارسة نضاله من أجل حقوقه، شرط توقف شلال الدم، واعتماد الحوار سبيلا لتحقيق هذه الأهداف النبيلة.

لم يكن ذلك مجرد موقف سياسي أو أخلاقي، بل إنه نتيجة قناعتنا الراسخة، بأن ما يتولد عن العنف لن يكون سوى المزيد من الاستبداد، تمارسه السلطة في موقعها، وتمارسه المعارضة حين تصل إلى السلطة عبر المشروعية الثورية، وليس عبر الحوار وصناديق الاقتراع. يضاف إلى ذلك، أن الكيان الصهيوني المستفيد الوحيد من إضعاف الجيش السوري، وهو ما لا يتسق مع المشروع النضالي للتغيير، الذي يفترض فيه أن يكون عربي الانتماء والتوجه.

هكذا كان موقف التجديد العربي، متجانسا مع مشروع النهضة العربية، ومتفاعلا مع الحراك الشعبي، وحريصا على الأمن القومي العربي، ومناهضا لأي تدخل خارجي وبأي صيغة كانت في تقرير مصائر الأمة.

ولم يكن تبنينا لهذه المواقف أمرا سهلا، ومن غير تضحيات. فقد وجهت لنا السهام، والاتهامات بمناصرة أنظمة الاستبداد والديكتاتورية أحيانا، حين يتعلق الأمر برفض العدوان على الأقطار العربية، التي بلغت حد الاحتلال المباشر في حالتي العراق وليبيا. وفي أحيان أخرى، التراخي تجاه القضايا القومية، والقبول بالمشاريع المشبوهة، حين نؤكد على الديمقراطية كخيار لا مفر منه للانتقال لدولة العدل والقانون. وحتى عندما دعونا لتحقيق الوحدة بين الفلسطينيين لم يتردد البعض عن القول بوقوف الموساد خلف هذه الدعوة.

وعند كل محطة جديدة، يحدث افتراق بيننا وبين خيرة من كتاب الموقع، وممن كان لهم دور أساس في انطلاقته في مراحله الأولى، اختاروا الرحيل إلى هذه الضفة أو تلك، وتماهوا مع هذا المشروع أو ذاك، من المشاريع التي ألحقت الأذى بالأمة وبأمنها، وبقينا نحن أمناء للبوصلة التي حددناها غداة انطلاق الموقع في عام 2002.

عهدا لجميع من واكبوا مسيرة هذا الموقع من كتاب وأصدقاء وقراء، أن نواصل مسيرتنا بذات الروحية والمصداقية، والعزيمة والإرادة التي بدأنا بها، سندنا في ذلك ثقتكم بنا ودعمكم للبوصلة التي اخترناها، آملين أن نشكل إضافة حقيقية في تطور مشروع النهضة العربية، وتحقيق أهداف الأمة في الحرية والوحدة والتنمية والكرامة والعدل الاجتماعي، وإلى الأمام…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × 4 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي