الانسحاب من العراق بين الاستراتيجية والتكتيك

0 374

بعد أكثر من سبع سنوات على احتلال عاصمة العباسيين، يحين موعد حقيقة أخرى، غير تلك التي عبر عنها الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع حليفيه، رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير ورئيس الحكومة الإسبانية أزنار في جزر الآزور الإسبانية، والذي أعلن فيه اقتراب لحظة احتلال العراق، بعد أربعة أيام من المؤتمر.

كنا نتمنى أن تكون لحظة الحقيقة انبلاج صبح جديد في تاريخ العراق. لكن ذلك لا يلوح في الأفق. لقد حل الموعد الرسمي لإنهاء العمليات القتالية الأمريكية في أرض السواد، وأعلن عن تقليص عدد الجنود الأمريكيين إلى 50 ألف جندي، وسط غموض يكتنف مستقبل العراق، الذي نقله الغزو من دولة عصرية متلاحمة، إلى كانتونات وكتل وطوائف، وإثنيات بارتباطات مشبوهة، مع قوى إقليمية تضمر الشر لما بين النهرين شعبا وتاريخا وحضارة.

فالقلق واسع وكبيرضمن جميع الشرائح العراقية، حول مستقبل العراق، سواء أولئك الذين تعاونوا مع الاحتلال، من أول لحظة، أو الذين شهروا السلاح دفاعاً عن استقلال وعروبة العراق، ولا يستثنى من هؤلاء، المسؤولون السابقون في الدولة، التي أسقط نظامها في 8 إبريل/ نيسان 2003. والتصريحات في هذا السياق عديدة وكثيرة.

فالذين تعاونوا مع الاحتلال من أول لحظة، هم مجاميع متنافرة، لا يربطها سوى معارضة النظام الذي أطاح الاحتلال به. لقد استمد هؤلاء حضورهم في العملية السياسية، التي نفذت بالعراق، بتخطيط من برايمر، ليس فقط من خلال تضامنهم مع مشروع الاحتلال، ولكن أيضاً من خلال تحالفاتهم الإقليمية، وتجلياتها الطائفية.

بالنسبة للقوى المناوئة للاحتلال، وتحديداً المقاومة العراقية، تم خلط متعمد بين عملياتها الهادفة لتحرير العراق، وبين عمليات تنظيم القاعدة، التي تخوض حرباً عالمية لاستنزاف قدرات الأمريكيين. وتعرضت هذه المقاومة، بخلاف سائر حركات التحرر الوطني العربية التي حظيت بدعم رسمي وشعبي، لحصار عنيف، شارك فيه النظام العربي الرسمي. وسدت أمامها منافذ الدعم والتأييد.

إنها الآن تواجه عدداً من الصعوبات. فهي أولاً لم تتمكن من تحقيق وحدتها. إن ذلك يجعلها، بعد خروج الاحتلال، تواجه مهمتين صعبتين في آن واحد. المهمة الأولى توحيد فصائل المقاومة، وبشكل خاص تلك التي تشكل عمودها الفقري. إن تحقيق وحدة هذه الفصائل، يستلزم إعادة تشكيل للقيادات والهياكل، وأيضاً، توسيع دائرة عمل هذه الفصائل، بحيث لا يطغى الطابع الطائفي على تشكيلاتها. فالمطلوب أن تكون عنواناً لوحدة العراق وعروبته، وتطلعه في الحرية والاستقلال، من حيث الشكل والمضمون.

وهي ثانياً، مطلوب منها أن تكون متحسبة وجاهزة ميدانياً، لمواجهة تدخلات إيران المباشرة وغير المباشرة في الشأن العراقي. لقد تعرضت المقاومة لضربات عنيفة، أضعفت قدرتها. والقول بأن المقاومة لم تتأثر سلباً بالضربات التي وجهت لها، يحمل شيئاً من المكابرة.

لقد دخل الاحتلال إلى العراق بقواته ومشروعه، معتبراً ذلك المحطة الأولى في خلق شرق أوسط جديد. والمقاومة العراقية، تدرك أن خروج القوات الأمريكية من العراق لا يعني نهاية للمشروع.. فتفتيت وحدة العراق، وضرب المشروع الوطني في عناصر تكوينه قد أنجز فعلاً، من خلال تدمير دولته ومجتمعه، وطعنه في صميم هويته.

سر الارتباك إذن، ليس في أن العراقيين، يرون في بقاء الأمريكيين صمام أمان، لوحدتهم. فهذه الوحدة لم تعد قائمة على الأرض.

السؤال المركزي، هل سيرحل الأمريكيون نهائياً عن أرض السواد؟ بما يعني إعلان هزيمة المشروع الأمريكي للقرن الواحد والعشرين؟ في هذا السياق، لا بد من التعرض لبعض القضايا النظرية ذات العلاقة بموضوع النصر والهزيمة في مواجهة أي مشروع احتلالي.

الطريحة الأولى: أنه لم يحدث أبداً في تاريخ النضال الوطني ضد القوى الاستعمارية أن تحقق نصر عسكري حاسم، ضد قوى الاحتلال. ذلك ينسحب على هزيمة فرنسا بالجزائر، وهزيمة الولايات المتحدة بالهند الصينية. فخسائر الفرنسيين بالأرواح، مقارنة بخسائر الجزائريين من الشهداء، هي نسبة لا تساوي 1- 10. والحال ذلك ينسحب على خسائر الأمريكيين في فيتنام.

الذي يحدث إذاً، هو هزيمة سياسية وليس عسكرية. وطالما أن الاحتلال في النهاية سوف يندحر، فليس يهم أن تكون الهزيمة عسكرية أو سياسية. تكابر قوات الاحتلال في مواجهتها للشعب المستهدف، ويقوم الشعب المحتل، باستنزاف قدرات المحتل، ليس بهدف هزيمته فذلك ما لا يمكن تحقيقه، بسبب انعدام التوازن في القدرات العسكرية والتعبوية بين الجانبين، ولكن بهدف إنهاكه، وخلق قوة معارضة قوية للحرب بالمركز.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لموضوع الانسحاب الأمريكي من العراق؟ هل يعتبر هذا الانسحاب في الجانب العملياتي تراجعاً عن مشروع الاحتلال؟

كان الاعتقاد لدى الإدارة الأمريكية أن العراق مفتاح تنفتح باحتلاله كل البوابات، بحيث أصبح نقطة البداية في تحقيق المشروع الكوني الأمريكي للقرن الواحد والعشرين. مشروع الشرق الأوسط الجديد. لكن التفكير في الهيمنة على العراق، من قبل دوائر صنع القرار الأمريكي، كان دائماً في حسابات الأمريكيين. وهناك جملة من الأسباب التي تحفز الأمريكيين على ذلك.

يضاف إلى ذلك، أن العراق هو البلد الوحيد في العالم، الذي يتنافس مع المملكة العربية السعودية، من حيث احتياطيه النفطي، والنفط كان ولا يزال محرك الصناعة، وعصب الحياة في هذا العصر، والذي يتمكن من السيطرة عليه، يكون بإمكانه الإمساك بخزائن الأرض. ومنذ حرب أكتوبر عام 1973 بين العرب والصهاينة، برزت عدة تصريحات أطلقها دهاقنة السياسة الأمريكية، وفي مقدمتهم هنري كيسنجر وديفيد روكفلر أكدت أن لجم الاندفاع الاقتصادي والصناعي لكل من اليابان وألمانيا، يقتضي السيطرة على منابع النفط في منطقة الخليج العربي. وشكل الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر قوات التدخل السريع، للتعامل مع أي طارئ يحدث فيه.

والعراق، حتى نهاية الثمانينات أيضاً هو الدولة الوحيدة، القادرة على لجم المطامع التوسعية الإيرانية. وكانت المعادلة الجيوسياسية والتاريخية في المنطقة، قد خلصت إلى نتيجة مفادها أن قوة العراق تؤدي إلى ضعف إيران. والعكس صحيح أيضاً، فقوة إيران ستأخذ حتماً من حصة القوة العراقية. إن دعم أي من البلدين عسكرياً، من قبل الغرب يعنى حكماً إضعاف البلد الآخر. ولأن العراق، قد أصبح منذ نهاية الخمسينات في عداد الدول الصديقة للسوفييت، فإن المنطقي أن تعمل الولايات المتحدة والدول الغربية المتحالفة معها على تغليب كفة إيران، لتكون قادرة على مواجهة العراق. وقد جعلت هذه السياسة من إيران القوة العسكرية الأولى في المنطقة، والدولة الأكثر رعاية عسكرياً من قبل الغرب، بعد الكيان الصهيوني.

yousifmakki@!yahoo.com


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

10 + 16 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي