الانتخابات الرئاسية الأمريكية… من سيربح؟

0 374

 

أنهى الحزبان الرئيسيان بالولايات المتحدة مؤتمريهما العامين، حيث عقد الحزب الجمهوري مؤتمره العام في تامبا، بولاية فلوريدا، وسمي الحاكم السابق لولاية ماساتشوسيتس، ميت رومني مرشحا للحزب، في التنافس على كرسي الرئاسة، بالدورة القادمة.

كما عقد الحزب الديمقراطي مؤتمره العام في شارلوت وأعاد تسمية الرئيس باراك أوباما مرشحا عن الحزب في الانتخابات القادمة. وبذلك دخلت حملة الانتخابات الأمريكية مرحلة جديدة. ويتوقع المراقبون أن تكون هذه حملة قاسية ومريرة بسبب الفارق الضيق في الأصوات المؤيدة لكليهما، وفقا لآخر الاستطلاعات، وأيضا نتيجة للأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد.

 

سنكرس حديثنا هذا وأحاديث أخرى قادمة، لمتابعة حملة التنافس بين أوباما ورمني بالقراءة والتحليل، وتقديم رؤية استشرافية عمن هو الأكثر حظا بينهما في الفوز بالموقع الرئاسي للأربع سنوات القادمة، التي تبدأ من فبراير2013.

وابتداء فإن التنافس على الرئاسة، بالولايات المتحدة، كما جرت العادة، وباستثناءات نادرة، ينتهي بمنافسين، ينتمي أحدهما للحزب الديمقراطي، في حالتنا هذه هو الرئيس أوباما والآخر، جمهوري هو ميت رومني. بمعنى أن الصراع في حقيقته يجري بين الحزبين، دور المتنافسين هو تطبيق برنامج أحدهما بعد الفوز. والحزبان يحملان أيديولوجيا سياسية وانتماء اجتماعي. وينتمي المرشح غالبا للطبقة التي يمثلها الحزب.

فالرئيس أوباما يحمل عقيدة الطبقة الوسطى، التي هي عقيدة الحزب الديمقراطي، وهو في ذات الوقت ينتمي اجتماعيا لهذه الطبقة. ورومني يحمل عقيدة الطبقة الرأسمالية، التي يعبر عنها أيديولوجيا الحزب الجمهوري. وهو رجل أعمال، ومعروف بثرائه الفاحش، حقق نجاحات باهرة في القطاع الخاص. وتولى منصب حاكم ولاية ماساتشوسيتس في الفترة 2003- 2007. وحاول الوصول إلى البيت الأبيض بالدورة السابقة، لكنه فشل في مواجهة رفيقه الجمهوري جون ماكين، الذي رُشح عن الحزب الجمهوري للتنافس مع باراك أوباما، الذي تمكن من إلحاق الهزيمة به والفوز بمعقد الرئاسة.

هذا التمييز، بين عقيدة الحزبين، يستدعي، أمورا أخرى، في مقدمتها صفة الاستمرارية، والثبات الذي يصل حافة السكون، والتجانس لدى المنتمين للحزب الجمهوري. أما في الحزب الديمقراطي فنحن أمام لوحة فسيفسائية، عابرة للأجناس والأديان والطبقات والأديولوجيات السياسية، حيث يلتئم المنتمون للطبقة المتوسطة، تجار ومثقفون وموظفون وكسبة، وفنانون وإعلاميون وأقليات قومية لهذا الحزب.

الذين أتيح لهم مشاهدة انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي العام يعرفون أنه لمعانا وبهجة وحيوية من المؤتمرات العامة التي يعقدها الجمهوريون. وتنعكس حيوية الحزب، في أحد جوانبها على أعمار المرشحين للرئاسة بين الحزبين. فخلال الخمسة عقود المنصرمة، وصل إلى سدة الرئاسة في مطلع الستينيات من القرن المنصرم أصغر رئيس في التاريخ الأمريكي هو جون كنيدي. وفي التسعينيات وصل شاب آخر هو بيل كلينتون إلى البيت الأبيض، واستمر في سدة الرئاسة دورتين. وفي المقابل وصل شيوخ وعجزة إلى البيت الأبيض، ينتمون إلى الحزب الجمهوري، بضمنهم دوايت أيزنهاور ورونالد ريجان وجورج بوش الأب. وإذا ما طبقنا هذه المقاربة على الحاضر، فإن الرئيس الحالي، أوباما يبلغ من العمر 51 عاما الآن. وحين تسلم سدة الرئاسة لم يتجاوز عمره 47 عاما، نافسه خلالها جون ماكين الذي يكبره بعدة عقود. والمنافس الجمهوري الحالي، رومني يبلغ من العمر 65 عاما.

هذه المقدمة تقودنا إلى النقطة الجوهرية الثانية في هذه القراءة، هي البرامج التي يتعهد كل مرشح بتطبيقها في حالة فوزه بمقعد الرئاسة. وقد تناولنا هذه البرامج عند قراءتنا التحليلية للانتخابات الأمريكية السابقة. وقراءة هذه البرامج ليست عملية اعتباطية، لأنها هي التي تتيح لنا تقديم تحليل استشرافي، عمن نرجح فوزه بمقعد الرئاسة في الانتخابات التي ستجري في نوفمبر القادم.

وطبيعي أن تنبثق هذه البرامج من طبيعة هيكلية وعقيدة الحزبين. فمطلب الطبقة العليا، هو تخفيض الضرائب، ورفع سيطرة الدولة عن الاقتصاد. ومعنى ذلك تقلص دخل الدولة، بما يقتضي تخفيض الخدمات التي تقدمها الدولة، والنيل من المكتسبات التي تتحقق اجتماعيا أثناء هيمنة الديمقراطيين. ويستتبع ذلك تخفيض أعداد موظفي الدولة، وأحيانا يصل الأمر إلى تقليص أعداد أفراد الشرطة، بما يسهم في رفع مستوى الجريمة، وتحقيق الكساد، وزيادة أعداد العاطلين، وبقاء نسبة كبيرة منهم دون مأوى.

على النقيض من ذلك، يعمل المرشح الديمقراطي، على رفع مستوى الضرائب بشكل تصاعدي، وتضخيم الأجهزة البيروقراطية، لمقابلة استحقاقات الناس. وتتحقق في ظل هيمنة الحزب الديمقراطي، دولة الرفاه. وتتحسن الخدمات الصحية والتعليمية. وتسود حالة من الانتعاش الاقتصادي.

وما دام الحال، هو كما شخصناه، فلماذا يقبل الأمريكيون عموما أحيانا ببرنامج الحزب الديمقراطي، حيث الانتعاش، وأحيانا ببرنامج الحزب الجمهوري حيث الانكماش الاقتصادي.

والجواب هنا يرتبط بمعادلة دقيقة، تؤدي بنتيجتها إلى وصول أحد المرشحين لسدة الحكم. فالانتعاش الاقتصادي من شأنه أن يرفع نسبة التضخم، بشكل تصاعدي حيث ترتفع أسعار البضائع والخدمات والمساكن، بشكل لا يكون بمستطاع محدودي الدخل التعامل معه.

وهنا تنتقل الدورة الاقتصادية من حالة التضخم، إلى حالة أخرى، بين التضخم والانكماش في المراحل الأولى لوصول الحزب الجمهوري. لكن استمرار ذلك هو رهن بالمستوى الذي بلغه التضخم أثناء هيمنة الديمقراطيين. فإذا كانت حالة التضخم عالية جدا، فإن معالجتها قد تتطلب أكثر من دورة انتخابية يفوز بها الجمهوريون، وإذا كانت ضئيلة فإن دورة واحدة تكفي لمعالجة الأزمة، لينتقل الحال بعهدها إلى سيادة حالة من الانكماش ربما تسبب في انهيار اقتصادي كالذي حدث إثر أزمة الرهن العقاري في نهاية عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن. وهكذا تستمر الدورات الاقتصادية، ووصول الرؤساء إلى سدة الحكم بشكل متعاقب.

بعد هذه القراءة، يواجهنا السؤال الرئيسي: من هو الرئيس الذي سيكون أكثر حظوة في الفوز بمقعد الرئيس في انتخابات نوفمبر القادم؟ وذلك ما سوف تكون لنا وقفة معه في أحاديث أخرى بإذن الله.

Yousifmakki@yahoo.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر − 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي