الاستيطان الصهيوني والقرارات الأممية

0 418

أخيرا اختار أعضاء مجلس الأمن الدولي، إدانة الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية التي جرى احتلالها في حرب يونيو/ حزيران عام 1967. فقد صوت مجلس الأمن في الجمعة المنصرمة، 23 ديسمبر، يطالب بوقف بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وصوت لصالح القرار 14 دولة فيما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت دون أن تستخدم حق الفيتو، على المشروع.

 

وأكد القرار الذي تبنى تقديمه لمجلس الأمن كل من نيوزيلندا وماليزيا وفنزويلا والسنغال، عدم شرعية إنشاء الكيان الصهيوني للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ويعد إنشاء المستوطنات انتهاكا صارخا بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل.

كما طالب قرار مجلس الأمن الدولي، بوقف فوري لكل الأنشطة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأوضح أن أي تغييرات على حدود عام 1967 لن يعترف بها إلا بتوافق الطرفين. وأكد القرار على التمييز في المعاملات بين إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967.

وصف مراقبون صدور هذا القرار، بالتاريخي، لأنه يشكل أول إدانة من أعلى منبر أممي لانتهاكات الكيان الصهيوني، للقانون الدولي، ولحق الأمم في تقرير المصير. ولم يكن لهذا القرار أن يمر، لو ما رست الإدارة الأمريكية سلوكها المعتاد، في رفع سيف حق النقض، ولكنها اكتف هذه المرة، بالامتناع عن التصويت.

ردود الفعل العربية، والفلسطينية منها بشكل خاص، عبرت عن بهجة وفرح بصدور هذا القرار الأممي بعد طول انتظار، وتم وصف القرار من قبل المتابعين لسياسة الحكومة الإسرائيلية، بأنه صفعة كبيرة، للكيان الصهيوني، وأن حكومة هذا الكيان لن تلتزم به. ومن جانبه، صرح رئيس حكومة الكيان الغاصب، بنيامين نتياهو أن عدم استخدام الإدارة الأمريكية، حق النقض بحق القرار، هو طعنة غادرة من قبل الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأن حكومته لن تقوم تنفيذ القرار.

واقع الحال، أن الموقف الأمريكي، جاء مفاجئا لكل متتبع للسياسة الأمريكية، تجاه الكيان الصهيوني، منذ تأسيسه عام 1948م. فقد دأبت كل الإدارات الأمريكية السابقة، على الانحياز بشكل فاقع للسياسات الإسرائيلية، وبالضد من القانون الدولي، ومن حق الفلسطينيين في تأسيس دولتهم على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدا في الضفة الغربية وقطاع غزة، والقدس الشريف. ولم تكن إدارة الرئيس أوباما، التي تشارف على غلق ثماني سنوات، ببعيدة عن هذا التوصيف.

ولذلك تم وصف الموقف الأمريكي، بالاكتفاء عن التصويت على هذا القرار، بأنه طلقة وداع، من الرئيس باراك أوباما، ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي أفشل جميع مبادرات الرئيس الأمريكي، لتحقيق اختراقات، من أجل التوصل إلى تسوية للصراع الصهيوني- الفلسطيني.

والموقف الأمريكي هذا، إذا ما وضع في سياق السياسات الأمريكية السابقة، هو موقف عابر، من رئيس على وشك مغادرة البيت الأبيض، ولا يشكل تحولا رئيسيا في الموقف الأمريكي المناصر للعدوان الصهيوني المستمر، ضد شعب فلسطين. يؤكد هذا الاستنتاج تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، عن استيائه من عدم استخدام واشنطون حق النقض، ضد قرار مجلس الأمن الدولي، الذي نحن بصدده، بل ووعده في تغريدة على موقع توتير، بأن الأمور ستكون مختلفة، بعد أن يتولى مهامه في البيت الأبيض في 20 يناير المقبل.

وإذا فالمنجز في هذا القرار، لن يتعدى الموقف الأخلاقي، ولن يتم فرضه بالقوة من قبل أعضاء مجلس الأمن الدولي، كما تم فرض قرارات مماثلة في السابق، والإعاقة هنا في بسبب الانحياز الأمريكي السافر والمستمر للصهاينة،. وسينتهي الأمر، عند هذا الحد. وسوف يكون مصيره، كمصير عشرات القرارات السابقة، التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن مجلس الأمن نفسه، بما في ذلك القرارات المتعلقة بتقسيم فلسطين، وبحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.

ليس الهدف هنا هو التقليل من أهمية صدور هذا القرار، ولكن وضع ذلك في سياقه الصحيح. فالقرارات الأممية على أهميتها، لن تكون موضع التطبيق، ما لم يتم شمول تطبيقها بالفصل السابع من مبادئ الأمم المتحدة. وحين يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني، فإن هناك استحالة أن يتبنى مجلس الأمن قرارا يتعلق بضمان الحقوق الفلسطينية المشروعة، ويتم فرض تطبيقه بالقوة على الكيان الصهيوني.

إن فاعلية هذا القرار، لا تكون ملموسة، إلا في ظل تغيير موازين القوى الاستراتيجية، لصالح الكفاح الفلسطيني، وتأمين حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة فوق ترابهم الوطني. والحديث عن تغيير موازيني القوى، دونه صعوبات وظروف شاقة وصعبة، ونضال مرير. وهو يتعدى قدرات الفلسطينيين، إلى تغيير الواقع العربي، من وضعه الحالك والمتشظي، إلى إعادة الاعتبار، للكيانات الوطنية، التي تم سحقها في السنوات الخمس المنصرمة، وتثبيت النظام العربي الرسمي، وخروجه من غرف الإنعاش. وأيضا الالتزام بمبدأ التضامن العربي، والمواثيق العربية الجماعية، ومن ضمينها ميثاق الأمن القومي العربي الجماعي، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك.

وبالنسبة للفلسطينيين، يأتي تحقيق الوحدة الفلسطينية، على رأس مهام الكفاح الفلسطيني، وعلى قاعدة التسليم بالثوابت الفلسطينية، وعدم التفريط بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، والتأكيد على عروبة القدس، باعتبارها العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية المرتقبة.

عند تحقيق هذه الأمور فقط، يضاف لقرارات مجلس الأمن الدولي، المتضامنة مع حقوق الفلسطينية، بعدا عمليا حقيقيا، يضاف إلى بعده الأخلاقي. وعندها فقد يوضع النضال العربي، من أجل القضية الفلسطينية على السكة الصحيحة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

20 − 19 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي