الأزمة الكورية: مراوحة بين السلم والحرب

0 415

شهد الصراع في شبه الجزيرة الكورية في الأسابيع الأخيرة، بين الشمال والجنوب، تصاعدا خطيرا، ثر قيام كوريا الشمالية، في 23 نوفمبر الماضي، بقصف جوي لجزيرة بكوريا الجنوبية، نتج عنها مصرع أربعة أفراد، وقد أعادت هذه الحادثة إلى المواجهة من جديد قضية الصراع المتفجر، بين الكوريتين، بشكل لم يسبق له نظير، منذ أن انتهت الحرب الكورية بالخمسينيات.

 وجاء رد الفعل الأمريكي سريعا، بتنفيذ مناورات عسكرية، مع كوريا الجنوبية، شاركت بها اليابان. تحت اسم “السيف المشحوذ”ـ وستستمر المناورات حتى العاشر من هذا الشهر. وتضمنت تدريبات ضد الطيران والصواريخ، وحماية القواعد والدعم الجوي باستخدام للذخيرة الحية، والدفاع البحري وعمليات البحث والإنقاذ، وفقا لمصادر وزارة الدفاع اليابانية. والهدف من ذلك، حسب البنتاجون، هو إظهار التضامن الأمريكي الياباني مع كوريا الجنوبية.

ولا شك أن هذا التصعيد، يثير الخشية من تصعيد وثيرة الصراع إلى حرب شاملة بين الكوريتين، تصيب ألسنتها المناطق المجاورة. وربما تتسبب في نشوب حرب عالمية، في حالة تدخل الصين الشعبية لنصرة بيانج يونج . فهل نحن فعلا أمام مواجهة عسكرية بين الكوريتين؟ وهل سيكون تدخل الكبرى بهذه الحرب، في حالة اندلاعها أمر لا مناص منه؟. وإلى أين تتجه الأزمة في الأيام القادمة؟. أسئلة سنحاول الإجابة عليها في هذا الحديث، وأحاديث قادمة بإذن الله.

وابتداء نذكر بأن الأزمة الكورية هي من تركة الحرب الباردة. ووعيها لن يكون ممكنا إن لم توضع الأزمة في سياقها التاريخي، المرتبط بنتائج الحرب الكورية بين الجنوب والشمال، التي وقعت في الفترة من 25 يونيو 1950 حتى 27 يوليو عام 1953. وكما تدخل الأمريكيون في فيتنام لدعم نظام فان ديام، الحليف لهم في مواجهة حكومة هانوي في الشمال وثوار الفيتكونج بالجنوب، المؤيدين من قبل السوفييت والصين الشعبية، تدخل الأمريكيون في الجنوب الكوري، عندما هاجم نظام كوريا الشمالية الشيوعي، كوريا الجنوبية، طارحين بقوة توحيد شطري كوريا. الفارق بين التدخل الأمريكي في فيتنام، والتدخل في كوريا أن الأخير تم تحت غطاء دولي، وباسم الأمم المتحدة.

خلال الحرب الكورية في الخمسينيات، قدمت الصين الشعبية دعما قويا للشمال، وحصل الشماليون أيضا على مساعدات من السوفييت، شملت تزويدهم بمستشارين عسكريين، وطيارين، وأسلحة، في مواجهة التدخل العسكري الأمريكي المباشر لدعم سيؤول. ورغم الخسائر الكبيرة التي منيت الأطراف المتحاربة، في البشر والمعدات فإن تلك الحرب لم تحظى باهتمام دولي مماثل، لذلك الذي حظيت به حروب الهند الصينية: فيتنام ولاوس وكمبوديا. لقد دفع تجاهل المجتمع الدولي لهذه الحرب ولنتائجها المروعة بكثير من المراقبين والمهتمين إلى وصفه بالحرب المنسية. ولعل سبب التجاهل أو النسيان، هو أن هذه الحرب، اندلعت بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، وقبل اكتمال ترتيب المسرح الدولي، للحقبة التي أعقبت الحرب الكونية. وأنها توسطت حربين مدمرتين، حيث اندلعت بعدها بفترة وجيزة حروب الهند الصينية.

توقفت هذه الحرب، في منتصف عام 1953م، دون تمكن الأقطاب المتحاربة من تحقيق أية مكاسب تستحق الذكر، بقيت معظم الملفات التي أدت إلى اشتعالها مفتوحة حتى يومنا هذا. فقد بقيت شبه الجزيرة الكورية مقسمة إلى شطرين. شطر بالجنوب، ويقوده نظام سياسي، يلتزم بالحرية الاقتصادية، ويرتبط بتحالفات عسكرية وسياسية مع الغرب. وشطر أخر في الشمال، يقوده الزعيم الشيوعي، كيم إيل سونج، بتحالف استراتيجي مع الصين الشعبية، ويحظى بتأييد قوي من الاتحاد السوفييتي.

لقد كانت الحرب الكورية، علامة بارزة في الحرب الباردة التي نشبت بين القطبين الرأسمالي والشيوعي، والتي كانت الولايات المتحدة الأمريكية، والإتحاد السوفيتي أبرز أطرافها.

كانت الأسباب المعلنة للحرب هي قيام كوريا الشمالية بالهجوم على الجزء الجنوبي، بعد انسحاب السوفييت والأمريكيين من الكوريتين. وكانت الأهداف المعلنة للشماليين، هي توحيد شطري كوريا. وفي مواجهة الاجتياح الكوري الشمالي، استصدرت الإدارة الأمريكية قرارا من مجلس الأمن الدولي، في غياب المندوب السوفييتي، يجيز التدخل عسكريا، لمنع الشماليين، من ضم الجنوب، بالقوة العسكرية. وتشكلت لذلك قوة رمزية دولية مكونة من 16 دولة، لكن الوجود الأمريكي، مثل الثقل العسكري الحقيقي. وتمكن الأمريكيون من إرغام الكوريين الشماليين من الانسحاب من العاصمة الجنوبية، سيئول وإجبارهم على التراجع. لكن تدخل الصينيين لاحقا لنصرة حلفائهم بالشمال، قد فرض ذلك حقائق جديدة في مسرح الحرب، وتطور نتائجها الميدانية.

كان الأمريكيون، بقيادة الجنرال، مارك أرثر قد تمكنوا بقواتهم “الأممية”، من اختراق الشمال، واحتلوا العاصمة، بيونغ يانغ. إلا أن وصول تلك القوات للحدود الصينية، غير معادلة الحرب، وحلق حقائق جديدة في الواقع السياسي بشبه الجزيرة الكورية، بقيت مائلة حتى يومنا هذا.

حدثت نقطة التحول في هذه الحرب، عندما هب الجيش الشعبي الصيني السادس بقيادة الجنرال “لين بياو” لنجدة الشماليين، والدفاع عن الحدود الصينية. وتمكن الصينيون من استعادة بيونغ يانغ من الأمريكيين، وأعادوا احتلال سيئول. وشهدت الحرب كرا وفرا، وكانت النتائج تميل تارة لصالح الأمريكيين وأخرى لصالح الكوريين في الشمال. والمؤكد أن زج الصين الشعبية لجل ثقلها العسكري في ميدان المواجهة، لمساعدة النظام الشيوعي الكوري، قد أفشل المشروع الأمريكي. وتوقفت هذه الحرب بعد أن حصدت أربعة ملايين من القتلى والجرحى ومثلت قمة استعار الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، دون غالب أو مغلوب، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية، استخدمت في تلك الحرب، أسلحة محرمة دولية، من ضمنها أسلحة بيولوجية.

منذ التسعينيات، تغيرت الخارطة الكونية كثيرا، فقد سقط الاتحاد السوفييتي، وتفككت جمهورياته. وانتهى حلف وارسو والتحق عدد كبير من أعضائه بالناتو، وأصبحوا أعضاء بالاتحاد الأوروبي. برزت الصين الشعبية، كقوة اقتصادية صاعدة. لكن كوريا الشمالية، وصالت عزلتها مسكونة بهاجس الخوف من السقوط. ولم يكن أمامها من خيار، لضمان قبضتها على الحكم، سوى الاستمرار في فرض الستار الحديدي. وكان خيارها، لمواجهة الإعصار، هو التركيز على بناء ترسانتها العسكرية ودخول النادي النووي من أوسع أبوابه.

كيف تطورت سياسة كوريا الشمالية في العقدين الأخيرين؟ وما هي علاقة ذلك بالأسئلة التي تصدرت حديثنا هذا؟ وإلى أين يتجه مسرح المواجهة في شبه الجزيرة الكورية؟ أسئلة ستكون محور مناقشتنا في الحديث القادم بإذن الله.

makki@alwatan.com.sa

كاتب أكاديمي سعودي متخصص في السياسة المقارنة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر − سبعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي