الأزمة العربية: ترييف المشروع السياسي

0 432

زخرت المدن العربية بمدن عربية قديمة، كان لها إسهامها الكبير، في صناعة التاريخ العربي. ومن ضمنها مدينة دمشق، التي تعد من وجهة نظر المؤرخين أقدم مدينة في التاريخ. وحين يذكر الدور التاريخي للمدن المدن العربية، تحضر بقوة أسماء بغداد والقاهرة والاسكندرية وحلب فاس وصفاقس وصنعاء.

ويرتبط اسم كل مدينة بحقبة نهوض تاريخية، أموية وعباسية وفاطمية وما إلى ذلك.

 

في العصر الحديث، لعبت المدن العربية الكبرى، أدوارا رئيسية، في بروز اليقظة العربية، وعصر التنوير، وأيضا في قيادة مقاومة الاستعمار التقليدي. لكن الخنادق الاجتماعية تداخلت مع بعضها فيما بعد، حيث يمكن القول، إن العقود الأخيرة، شهدت تراجعا رئيسيا للدور السياسي للمدينة، وبروز ظاهرة الترييف.

ويمكن القول، أن الأمة العربية، مرت بخمس حقب، منذ انطلقت حركة اليقظة العربية، في مواجهة الاستبداد العثماني.. كانت الأولى قد عبرت عن نفسها، في حركة تنوير حقيقية، انفتحت على الفكر الإنساني، وتنازعها توجهان. طالب الأول بالقطع مع الماضي، وتبنى موقفا حداثيا بامتياز، أما الآخر، فرأى في الموروث ما يكفي لكي يستعيد العرب دورهم، ويشاركوا بفعالية بالحضارة الإنسانية.

وقد ناقشنا إشكالات هذه الحقبة في أحاديث عدة سابقة، ولن نعود لها مجددا في هذه القراءة. فما تهتم به في هذا الحديث، هو البعد الاجتماعي وتأثيره، على حالة التردي الراهنة، التي تمر بها الأمة، في هذه اللحظة التاريخية، والمتسمة بشكل خاص بتغول ظاهرة الإرهاب.

في البعد الاجتماعي، يمكن القول، بقليل من التحفظ، أن معظم رواد عصر النهضة، هم من أبناء الطبقة المتوسطة، من الذين مكنتهم أحوالهم المعيشية من تعليم أبنائهم بالجامعات المرموقة في فرنسا وبريطانيا، ودول أووربية أخرى. وعلى الإغلب، كانت مدينة الضياء، باريس، مركزا هاما تجمع فيه هؤلاء الرواد، ونهلوا من المعارف السياسية والاقصادية، في جامعاتها المرموقة. وعادوا إلى بلدانهم ينافحون الاستعمار العثماني، ويبشرون بعهد جديد.

السمة الأخرى، لهؤلاء أنهم من أبناء المدن العربية الكبرى: بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد، بحيث يمكن القول أن هذه المدن غدت مركز الإشعاع الحضاري، لعصر التنوير العربي.

انتهت الحقبة الأولى، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ووضع اتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور قيد التنفيذ. لقد مثل ذلك ضربة قاصمة لمشروع التنوير، مفسحا المجال لما بات معروفا بالإسلام السياسي، لأن يأخذ مكانه، منذ نهاية العشرينيات من القرن المنصرم، وليشكل هذا التيار إسفينا في خاصرة التوجهات الليبرالية، التي مثلها رائد الاستقلال، وقائد ثورة 1919م، حزب الوفد، ومن خلال تحالف هذا التيار مع حكومة إسماعيل صدقي، المعادية للتوجهات المدنية.

عكست التمظهرات السياسية الجديدة، تراجعا واضحا لدور المدينة، ولمشاريع التمدين، وبروزا لدور الأطراف. فرواد التوجهات الجديدة، الذين ارتبطوا بالإسلام السياسي، وفدوا في الغالب من الأطراف، بعيدا عن المدن التي انطلقت منها حقبة التنوير. ويمكن التأكد من هذه الطريحة، بقراءة السير الذاتية لرواد الإسلام السياسي، منذ حقبة تأسيسه، حتى يومنا هذا. فهؤلاء في غالبيتهم ينحدرون من الأرياف ويعادون نمط العيش بالمدن، ويقفون بالضد من كل ما يمت للتمدين من أفكار.

جرت في هذه الحقبة مزاوجة بين التيار السياسي، والسياسيين، الذين مارسوا السياسة من بوابات العجز عن مواجهة الاحتلال الأجنبي، فشكلوا قوى رديفة له. وانتهت هذه الحقبة بنكبة فلسطين عام 1948م. لتتبعها مرحلة الانقلابات العسكرية.

أما الحقبة الثالثة، فهي حقبة الانقلابات العسكرية، وقد استمرت حتى نكسة الخامس من يونيو 1967م, وخلالها تزايد عدد السكان، وحدثت هجرات كبرى من الأرياف إلى المدن العربية الكبرى. وبدأت مرحلة ترييف حقيقية لهذه المدن. وكانت معظم القيادات السياسية الجديدة، نتاج تلاقح بين الريف والمدينة.

لقد نشأت القيادات السياسية الجديدة، في الريف والمدينة في آن واحد، ولهذا فهي في التحليل الاجتماعي فئة هجينة، مرتبطة ثقافيا واجتماعيا بأصولها المركبة. إنها تشكل كيانا تاريخيا نابعا من ظروف التبعية. ووضعها في سياق الإنتاج هامشي، وذلك ما يفسر ازدواجيتها وفشلها وعدم استقرار اتجاهاتها السياسية والاجتماعية.

كانت هزيمة يونيو 1967م، بداية للحقبة الرابعة في التاريخ العربي، وللأسف فإن البديل عن الحقبة السابقة لم يكن عودة لعصر التمدين، بل إيذانا بانتعاش جديد لتيارات الإسلام السياسي. وحين شن الكيان الصهيوني هجومه على الفلسطينيين في لبنان واستباح مدينة بيروت، أحد المعاقل المتبقية من عصر التنوير، تضاعف حضور الإسلام السياسي بالمنطقة العربية.

لقد اختمرت ردود فعل غاضبة عنيفة في بنيان الأمة، واستمد الشباب العربي حيله من ماضيه، لتحقيق توازنه، في وجه محاولات تغريبه. وكانت ردة الفعل هي الانخراط في الحفل المعمد بالدم، وتحقيق انتحار جمعي. وكان موسم ربيع التطرف، قد بدأ يتحرك بقوة منذ تلك الحقبة، متخذا من أفغانستان مركزا انطلاقه.

في الحقبة الخامسة، سقط الاتحاد السوفييتي وانتهت الحرب الباردة، وتوجت الولايات المتحدة قطبا وحيدا، على عرش الهيمنة الدولية. ولأن ذلك نشاز في التاريخ الإنساني، والكون لا يقبل الفراغ، فكان لا بد أمام هذا الفراغ، أن تملأه طحالب من نوع آخر. طحالب، قدمت من الأطراف، وتماهت مع مشاريع مشبوهة في تفتيت المنطقة، والقضاء على أي دور تاريخي محتمل للأمة.

وقد ووجدت هذه الطحالب ضالتها في احتلال أمريكا لأفغانستان والعراق، واستثمرت ما عرف بالربيع العربي، لتحرق الأخضر واليابس، ولتصادر كيانات وتسقط هويات. وقد تسببت حتى الآن في خروج أربعة أقطار على الأقل من الخارطة السياسية العربية، والقادم أخطر. ولسوف نظل في حالة مواجهة لا تنتهي إلا أن تتحقق هزيمة فكرها الوافد من غياهب التخلف والضياع. إلا حين نغلب العناصر القادرة على أن تجعل منا ترسا فاعلا في مسيرة الإنسانية الصاعدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة عشر − 11 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي