استفتاء الخبز والحرية

0 422

أسدل الستار على مرحلة، وبدأت مرحلة أخرى في تاريخ تونس، نتمنى أن تكون أكثر استقرارا وأمنا ورخاء. لقد تمكن شعب تونس الشقيق من انتزاع حقه في نيل حريته وتقرير مصيره وأقداره، وكان له ما أراد، بعد تضحيات جسام استمرت ما يقرب من المائة والثلاثين عاما.

 

لقد بدأت معاناة شعب تونس، مع الهجمة الفرنسية، وتواصلت بعد الاستقلال. ولم يكن ما حدث خلال الأسابيع المنصرمة، بعد حادثة سيدي بوزيد، استثناء في تاريخ تونس. فقد بقيت تونس ولا تزال، في طليعة النضال العربي، ومساندة قضايا التحرر الوطني في البلدان العربية وفي أفريقيا. وقد قدم هذا الشعب التضحيات العظام لقاء استبساله في الدفاع عن قيمه ومبادئه. حمل شعب تونس همه في تحرير نفسه من القبضة الفرنسية، وفي ذات الوقت ورغم قسوة الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي مر بها، أثناء معركة تحرير الجزائر من الفرنسيين، لم يتردد عن بذل الغالي والنفيس لنصرة المجاهدين الجزائريين، مقدما ماله وقوته وأرواح أبنائه لنصرة شعب عربي شقيق. وفي السياق ذاته، وجد الفلسطينيون بعد الاحتلال الإسرائيلي لمدينة بيروت عام 1982م، في تونس ملجأ آمنا، وشعبا مضيافا، بقي حاضنا للمقاومة الفلسطينية، ومقرا لمنظمة التحرير، حتى توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993م، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة.

في 24 أبريل عام 1881، اجتاحت الجيوش الفرنسية تونس قادمة من الجزائر، وفرضت على الباي التونسي، محمد الصادق توقيع معاهدة حماية عرفت، بمعاهدة باردو. لم ينتظر التونسيون طويلا، في مواجهتهم للاحتلال. فبعد توقيع المعاهدة بدأت الحركة الوطنية التونسية في مقاومة الاحتلال، في صيغة جمعيات سياسية وانتفاضات ومظاهرات وإضرابات، اشتهر من بينها إضراب طلبة جامع الزيتونة عام 1911. وإثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، تأسس الحزب التونسي، من أبرز أقطابه، الزعيم الوطني والأديب الأستاذ عبد العزيز الثعالبي، الذي أصدر في عام 1920م، كتابه الشهير، تونس الشهيدة، الذي غدى مرجعا للحركة الوطنية التونسية.

وفي نفس العام، 1920م، تأسس الحزب الحر الدستوري التونسي وشهد العام إرسال عدة وفود إلى باريس للمطالبة بالاستقلال، كان آخرها الوفد الذي ضم أربعين شخصية وطنية، برئاسة الطاهر بن عمار. وتأسس بعد ذلك بفترة وجيزة، في ابريل عام 1921 الحزب الإصلاحي بزعامة حسن القلاتي. وفي 1924 تأسست أول نقابة تونسية.

تواصل النضال الوطني ضد المستعمر الفرنسي في العشرينات والثلاثينات من القرن المنصرم، وكانت المطالب واضحة وصريحة، الاستقلال والدستور والبرلمان، وتأمين الحريات العامة. وقد بلغ الكفاح التونسي من أجل تحقيق هذه المطالب أوجه في ابريل عام 1938، حين سارت مظاهرة كبرى في شوارع تونس، مطالبة ببرلمان تونسي وحكومة وطنية وسقوط الامتيازات الممنوحة للفرنسيين. وقد سقط خلال تلك المظاهرات عدد كبير من القتلى والجرحى، واعتقل الحبيب بورقيبة، رئيس الجمهورية التونسية لاحقا، وتم حل الحزب الدستوري. وبدأت المقاومة السرية للاحتلال، وإيقاف أعضاء لجنة المقاومة وتكون الديوان السياسي السري للحزب الدستوري الجديد.

في تلك المرحلة، كانت قصائد الشاعر، أبو القاسم الشابي، وبشكل خاص، إرادة الحياة، أغان تعلو بها الحناجر، وتتصدر المظاهرات المطالبة بالاستقلال، لتتحول لاحقا إلى شعارات يرددها المقاومون في كل مكان من الأرض العربية، في مواجهة الاحتلال والطغيان. ومع أن الوضع في تونس أصبح أكثر تعقيدا عندما تحولت إلى مسرح للعمليات العسكرية بين جيوش المحور وجيوش الحلفاء، أثناء الحرب العالمية الثانية، لم يستسلم شعب تونس للظروف الدولية، بل واجهها بقوة الإيمان والإرادة والثقة بالنصر، وبالحق في تقرير المصير. واصل شعب تونس نضاله من أجل تحقيق أحلامه وآماله في الحرية والاستقلال. لكن المواجهة الحقيقية، مع المستعمر، أخذت مكانها مباشرة، بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية. وكانت نقطة البداية، تأسيس الجبهة الوطنية التونسية سنة 1945، وسفر بورقيبة إلى مصر، والإعلان عن تشكيل الاتحاد العام التونسي للشغل، وانعقاد مؤتمر “ليلة القدر” الذي طالب بالاستقلال، وأحداث صفاقس العمالية الدامية.

في عام 1952، تقدم الوطنيون بمذكرة لمجلس الأمن الدولي، مطالبين باستقلال بلادهم عن السلطات الفرنسية. وبعد عام من هذا التاريخ، أعلن المقيم الفرنسي العام في تونس، عن استعداد فرنسا منح البلاد استقلالها الداخلي. لكن الشعب رفض تلك العروض، وواصل كفاحه، حتى تم إعلان الاستقلال التام، وقيام الدولة عام 1957م. وفي الأول من يونيو 1959 تم الإعلان عن أول دستور للجمهورية التونسية. وفي 15 أكتوبر عام 1963م، تم جلاء آخر جندي فرنسي عن القاعدة الجوية التونسية، بنزرت.

بعد الاستقلال تولى الرئيس بورقيببة الحكم، وساد نظام حكم الحزب الواحد. وتم القضاء على مختلف أشكال المعارضة، وفرضت تقاليد غربية هامشية مصطنعة على المجتمع بقوة الأمر الواقع، وجرى تجريم العمل السياسي والنقابي، خارج إطار معادلة الحزب الحاكم. وشاخ النظام، ومع شيخوخته، أصبح التكلس والجمود وتعطيل مصالح الناس، هو القانون العام. وفي عام 1987م، قام زين العابدين بن علي الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك، بانقلاب على سيد قرطاجه، ووضعه في الإقامة الجبرية. واستبشر التونسيون خيرا بالحدث، لكن الأمور عادت إلى سابقها، حيث عمت المحسوبية والوجاهات والفساد، واقتصر بلوغ المنافع على رجالات السلطة وأجهزة القمع، وغابت السلع الغذائية الأساسية عن السوق، وانتشرت البطالة، وغابت فرص العمل .. وانتفى وجود الطبقة الوسطى، العمود الفقري لأي اقتصاد من البلاد. وتزامن ذلك مع غياب شبه كامل للحريات، ومؤسسات المجتمع المدني، وحق التعبير، واحترام الرأي والرأي الآخر.

وكانت الانتفاضة الأخيرة، استفتاء على الحرية والخبز، وتماهيا مع واقع موضوعي، لا سبيل إلى التصدي له سوى بمقابلة الاستحقاقات الوطنية، واعتبار الإنسان القيمة العليا والأساس لأية مشروعية سياسية. وفي هذا الإتجاه ستكون لنا محطات آخرى للمزيد من القراءة والتحليل.

makki@alwatan.com.sa

كاتب أكاديمي سعودي متخصص في السياسة المقارنة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

11 − سبعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي