إيران…. إلى أين؟

0 171

 

 

بعد سلسلة مكثفة من الأحاديث، التي تناولت جذور الأزمة المحتدمة الآن في إيران، والتراكمات التي افرزها التطور التاريخي في العقود الثلاثة التي أعقبت الثورة الإسلامية، آن لنا أن نطرح السؤال البديهي والمركزي الذي يراود أذهان جل المتابعين للأحداث العاصفة التي لا زالت تتداعى باتجاهات صاعدة، منذرة بتحولات كبرى في الخارطة السياسية لهذا البلد… إيران إلى أين؟

 

في كل القراءات السابقة استلهمنا تنبؤاتنا، مستندين على وقائع موضوعية وشواهد عيانية، حتى يكون التحليل منطقيا وصائبا. هنا أيضا نجد أنفسنا مجبرون على العودة لخريطة إيران السياسية لمعرفة مستوى توازنات القوة فيها. وتلك بالتأكيد ليست مسألة اعتباطية، بل عمل ملح وجوهري، لسبب بسيط هو أن التحولات القادمة لن تكون من رجم الغيب، ولكن من خلال رصد الغليان الاجتماعي، مفردات وعناوين، وأيضا مواقف ورؤى واستراتجيات، وحضور مركب: اجتماعي واقتصادي وسياسي.

 

نميز في هذا الحديث ونحن نتناول قوى التغيير، أو ما يعرف بقوى الإصلاح بين ثلاث قوى رئيسية، تتداخل أهدافها بالضرورة، ولكن لكل منها استراتجياتها الخاصة، وتوجهها السياسي الخاص، وحضورها الاجتماعي المعبر عن موقعها في الخريطة الاقتصادية.

 

وإذا ما بدأنا من قمة الهرم، نزولا إلى الأسفل فسنجد في الأعلى قوتين رئيسيتين تتصدران قيادة حركة الإصلاح، هما مجموعة البازار والقوى المستنيرة بالمؤسسة الاكليركية. ويبدو أن الصراع بين هذه القوى وبين مؤسسة الولي الفقيه لا يسير باتجاه واحد أو مسافة واحدة. فبعض هذه القوى يمكن أن ينعطف بشكل حاد، باتجاه معارضته للنظام، وبعضها الآخر يمكن أن ينتكس، ويجري بعض المقايضات بما يؤدي إلى تأهيلهم مجددا ليكونوا جزء من ماكنة الولي الفقيه.

 

في سياق القوى التي لن تقبل بالتراجع عن مشروع الإصلاح يمكن أن تسمي قوة البازار. فكل المؤشرات تؤكد أن طلاقها من الولي الفقيه هو طلاق نهائي. لن تقبل هذه القوى أبدا العودة إلى المربع الأول، وستدفع بمطالبها، في المشاركة الفعلية بصناعة القرار، وتداول السلطة، وستقيم تحالفاتها السياسية على قاعدة تعزيز المطلب الديمقراطي. ولن يكون مستبعدا أن توسع من قاعدة تحالفاتها مع جبهة تحرير إيران والجبهة الوطنية والقوة المستنيرة في المؤسسة الدينية.

 

في كل الأحوال، نحن أمام تغيرات دؤوبة ومتسارعة ستجري على المسرح الإيراني، وقريبا جدا من هرم النظام وفوق سفوحه. لن تستمر طويلا حالة الكر والفر، بشكلها السلمي في الغالب، المصحوب بالعنف في بعض الأحيان… وسننتقل إلى وضع يكون العنف والتصفية الجسدية والسياسية أسياد الموقف والقانون العام. لن يطول بنا المقام لانتظار هذه اللحظة. ولن ندخل، بهذا المضمار، في تفاصيل محددة وقراءات معقدة، فخارطة الاصطفافات في البنيان الفوقي الإيراني أصبحت معروفة، وتعرض يوميا في الفضائيات وأجهزة الأعلام.

 

في القلب من الهرم، تنشط الطبقة المتوسطة، وضمن هذه الطبقة تنشط أحزاب سياسية حديثة مدنية تتراوح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن ضمنها حركة تحرير إيران والجبهة الوطنية وحزب تودة ومجاهدي خلق وتجمع هذه باختلاف توجهاتها على الخيار الديمقراطي وتداول السلطة ورفض فكرة الولي الفقيه.

 

وربما تمثل الأزمة الحالية فرصة ذهبية لهذه الأحزاب، لإعادة ترتيب أوراقها، ومراجعة برامجها وتطوير هياكلها، مستغلة انشغال النظام بأزمتها. وسيكون بإمكان هذه الأحزاب، في ظل حالة استرخاء نسبية، تحقيق قدر كبير من الاختراقات وسط الاتحادات النقابية والحركات الاحتجاجية ومؤسسات المجتمع المدني، إذا ما امتلكت الإرادة والقدرة. وربما تمكنت من خلال تحالفاتها مع حركة الإصلاح التي يقودها موسوي وخروبي وخاتمي من قيادة عصيان مدني واسع يتحول في نهاية المطاف إلى “ثورة ناعمة” تطيح بنظام الولي الفقيه، وتقيم على أنقاضه نظام يستند على أسس تعاقدية.

 

في الأسفل من الهرم تقع القاعدة العريضة من الشعب الإيراني. وتنقسم في ولاءاتها إلى أتباع للبناء الفوقي بشقيه المحافظ والإصلاحي، حيث يتعزز وجود أتباع المنهج المحافظ في الأرياف والقرى بينما يتعزز أتباع المنهج الإصلاحي في المدن الكبرى. ويتبع جزء من هذه الشريحة الأحزاب السياسية المدنية الكبرى الممثلة للطبقة المتوسطة.

 

والواقع أن عددا كبيرا من القاعدة العريضة للجمهور الإيراني لا تتبع أي من الاتجاهات التي اشرنا إليها. ذلك لا يعني بأي حال عزلة الجمهور عن الأحداث. بل لعلنا لا نجافي الصواب إذا قلنا إن الانطلاقات العفوية كانت ولا تزال ملهما كبيرا لكثير من القوى السياسية في قمة الهرم وفي السفوح. ولذلك يجري تنافس حاد على استقطاب هذه الجموع. وفي يقيننا فإن هذه الجموع ستكون أقرب في الأيام القادمة لمن يتبنى مصالحها الحقيقية. نعني تحديدا توفير لمتطلبات الأساسية الحقيقية للجمهور، من عمل ومأوى وعلاج وتعليم وما إلى ذلك.

 

على الجانب الأخر، جانب الولي الفقيه والمؤسسة الحاكمة، من المتوقع أن تقوم حكومة أحمدي نجاد بمبادرات لتخفيف حالة الاحتقان، كالعمل على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، وإطلاق سراح القيادات الإصلاحية من السجون، وبعض المقايضات مع القوى التي لم تحسم أمرها تجاه مشروع الإطاحة بالنظام القائم. وهي أمور لا نجزم بقدرة النظام على انجازها، حتى وإن توفرت لديه النيات لتحقيق ذلك، نتيجة لحدة الأزمة السياسية والاقتصادية التي يواجهها. ولأن تحقيق ذلك يتطلب انكفاء نحو الداخل، وتقليصا للدور الذي تلعبه الحكومة الإيرانية في الخارج، وبشكل خاص في العراق ولبنان وفلسطين واليمن. ولا نعتقد أن نظام الولي الفقيه في وارد التخلي عن أوراقه في هذه البلدان.

 

يبقى علينا قبل أن ننهي أحاديثنا عن الأزمة الإيرانية أن نناقش تداعياتها على النظام الإقليمي، والبلدان المجاورة تحديدا العراق ولبنان والخليج العربي. وينبغي أيضا متابعة الموقف العالمي منها، وأيضا تداعياتها على الملفات الإيرانية العالقة مع المجتمع الدولي وبشكل خاص الملف النووي الإيراني وذلك ما سوف نتناوله في حديث قادم بإذن الله.

 

°±v±°

 

yousifsite2020@gmail.com

 

اضف تعليق

اسمك بريدك الالكتروني

 

تعليقك:

تعليقات

 

* تعليق #1 (ارسل بواسطة محمد سلطان)

 

استاذي الفاضل ان ما سبق من مقالات يصلح ان يكون نواة لكتاب يؤرخ لفترة الثلاث عقودالاخيرة من تاريخ ايران كشاهد على العصر . ولك مني فائق الاحترام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 + 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي