أوضاع عالمية ملتهبة وشتاء جليدي

13
أسبوع حافل بالأحداث، شملت عقد ثلاثة مؤتمرات دولية في آسيا: مؤتمر للمناخ في شرم الشيخ بمصر، وأخر للتعاون الاقتصادي الأسيوي الباسفيكي APEC في بانكوك بتايلاند، وثالث لدول العشرين، في بالي بأندونيسيا، وفيه شارك الرئيس الأمريكي بايدن والزعيم الصيني بينج وعدد كبير من قادة دول العالم. ورغم أن هذه المؤتمرات غير مكرسة لمناقشة قضايا سياسية، فإن العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا، طغت على أجوائها. وكان اللافت فيها، غياب الرئيس بوتين عنها رغم أهمية القضايا المطروحة فيها بالنسبة لبلاده وللعالم بأسره.
على صعيد الحرب الدائرة بأوكرانيا، تتجه الأمور سريعا، نحو حافة الحاوية، فقد صعدت روسيا من ضرباتها الصاروحية، على معظم المدن الأوكرانية، مستهدفة مراكز الطاقة، والمنشآت العسكرية والحيوية. وقد أدى ذلك إلى الانقطاع المتواصل للكهرباء، في العاصمة كييف. وبلغت أزمة وجود الطاقة حدا دفع بالرئيس زيلنسكي للقول باحتمال عجز الماكنة العسكرية عن مواصلة عملها بسبب عدم توفر مصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها.
كما شهد الاسبوع المنصرم، تصعيدا خطيرا بمجرى الحرب، بسقوط صاروخين، على الأراضي البولندية، أثناء انعقاد مؤتمر العشرين في بالي، تسبب سقوطهما في مصرع شخصين. وجهت أوكرانيا الاتهام لروسيا بإطلاق الصاروخين، ودعت حلف الناتو، إلى الرد على روسيا، كون بولندا عضو في الحلف. لكن ذلك الاتهام لم يلق تجاوبا من الرئيس الأمريكي بايدن، وبقية زعماء أوروبا، الذين أعلنوا لاحقا أن تلك الصواريخ انطلقت من الأراضي الأوكرانية.
وضع المحللون السياسيون، في المراحل الأولى لسقوط الصاروخين على الأراضي البولندية، احتمالات ثلاثة لمصدرهما. الأول، أن يكونا بقايا شظايا لصواريخ روسية أسقطت على أوكرانيا، وتصدت لها المقاومات وأسقطتها قبل وصولها إلى أهدافها، وأن شظاياها وصلت إلى قرية حدودية بولندية. والاحتمال الثاني، أن تكون الصواريخ الروسية سقطت عن طريق الخطا، بالقرية البولندية الحدودية، بدلا من السقوط على الأراضي الأوكرانية. وعلل المحللون إمكانية ذلك بالقول باحتمال أن تكون تلك الصواريخ قديمة وغير دقيقة. أما الاحتمال الأخير، فهو أن تكون أوكرانيا، هي من أطلقت تلك الصواريخ، إما عن طريق الخطأ، أو عمدا بهدف جر الناتو للدخول في الحرب، ضد روسيا، بما يوسع دائرة الحرب، ويخفف الأعباء القتال التي تتحملها وحدها. وشجع على القول بهذا الاحتمال التصريحات المتكررة للرئيس الأوكراني، زيلنسكي التي يطالب فيها أمريكا، ودول الناتو للحماية بلاده، والتصدي العسكري المباشر للهجوم الروسي.
يسجل في هذا السياق، لإدارة الرئيس بايدن يقظتها وعدم تسرعها، في قبول الرواية الأوكرانية، وتحميلها لاحقا أوكرانيا مسؤولية إطلاق الصواريخ. وقد بلغ من حدة غضب الرئيس الأمريكي، تجاه سلوك الرئيس الأوكراني، حد الامتناع عدة مرات عن الرد على مكالماته الهاتفية. لكن ذلك لم يمنع الإدارة الأمريكية من تشجيع الأمم المتحدة على عقد اجتماع طارئ في مقرها بنيويورك، تبارى فيه مندبو أمريكا وفرنسا إلى اتهام روسيا بأنها السبب في إطلاق الصواريخ على بولندا، أيا يكن الفاعل، كونها هي التي أشعلت الحرب على أوكرانيا.
تؤكد القيادة الروسية من جانبها، وعلى لسان رئيس مجلس الأمن القومي، أن الحرب بالكاد تبدأ الآن، ويصف ما جرى في الأشهر التسعة المنصرمة بأنه لعبة. ويوضح أن بلاده لم تستخدم أسلحتها الدقيقة والفاعلة، بعد في هذه الحرب. وأن على الرئيس الأوكراني، أن يكون جاهزا للأصعب. ويستحضر القادة الروس، أن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، كانت إلى حد كبير، بسبب انعدام الطاقة لدى الجيش الألماني. وأن الهزيمة ستلحق هذه المرة بأوكرانيا، بعد انقطاع مصادر الطاقة اللازمة لتشعيل آلتها العسكرية.
ومع الدخول في موسم الشتاء، تتضاعف الخشية من أن تشهد القارة الأوروبية بأسرها شتاء قارسا، غير قابل للاحتمال، وتلجأ عدد من بلدان أوروبا إلى تجميع الأخشاب، كوسيلة للتدفئة في ظل انعدام الغاز.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تعيش أوروبا، حالة من الارتباك الشديد واللاأدرية، بسبب تضاعف أزماتها. ففرنسا تعلن صراحة، أن إمدادات الكهرباء مهددة مع بداية عام 2023. وتوضح أن خطة مكافحة التضخم الأمريكية قد أضرت بمصالحها. والفايننشل تايمز، تتحدث عن مستقبل قاتم للاقتصاد البريطاني. ورئيس الحكومة الهنجارية يكشف عن حجم الأموال التي تخسرها بلاده بسبب الحرب على أوكرانيا، والعقوبات الافتصادية المفروضة على روسيا. والأوضاع الاقتصادية في بقية دول أوروبا والعالم ليست أقل سوءا. ومالم يتم وضع حد للاحتكام للسلاح، ويجبر الغرماء على الجلوس لطاولة المفاوضات، فسنصل حتما إلى حافة الهاوية: أوضاع ملتهبة وانهيارات اقتصادية عالمية وشتاء جليدي.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي