أوسلو: حصاد أكثر من ربع قرن

10
شكل توقيع اتفاقية أوسلو المعروفة باتفاق غزة أريحا- أولا في 13 أيلول/ سبتمبر عام 1993، انتقالا رئيسيا في الصراع العربي- الإسرائيلي، وفي صراع الفلسطينيين مع الصهاينة من أجل استرداد حقوقهم والعودة إلى ديارهم وتثبيت هويتهم وإقامة دولتهم المستقلة. وبموجب هذا الاتفاق سلم الضحية للمحتل، بمشروعية سطوه على أرض فلسطين، وعزز ذلك بتنازل قانوني مكتوب ومصدق عليه، من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
بعد ربع قرن من توقيع هذه الإتفاقية أكدت تائجها وتداعياتها، فشل سياسات التعويل على الوهم، وغاب عن الذين وضعوا توقيعهم على الإتفاقية، من الفلسطينيين، أن المشروع الصهيوني هو مشروع حرب، وسعي استيطاني، متنكر بطبيعته لمجمل الحقوق الفلسطينية، ولا يملك قابلية التراجع عن نهجه العنصري التوسعي.
وأخطر ما في هذه الاتفاقية، هي تنازل الضحية، عن كامل حقوقه للمحتل، بحيث يمكن القول، إن آثارها اللاحقة على القضية الفلسطينية، لا تقل عن تلك التي تلك التي تركها وعد بلفورالمشؤوم. لقد شكلت اتفاقية أوسلو، انقلابا حادا ومفاجئا في المفاهيم التي سادت، منذ بدأ الصراع مع الصهاينة، وتنكرت لنضال الشعب الفلسطيني الطويل، من أجل إلحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني.
لم يتضمن اتفاق أوسلو، اعترافا صريحا، بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم على التراب الفلسطيني. جل ما هنالك أن الفلسطينين أعطوا حكما ذاتيا منقوصا، لا يطبق على جميع المقيمين في هذه المناطق، بل فقط على الفلسطينيين بالمناطق التي تضمنها الاتفاق، ولا يشمل المقيمين بتلك الأراضي، من الصهاينة. وهذا يعني الحكم الذاتي لا يشمل السيطرة على الأرض.
منذ جرى توقيع هذه الاتفاقية، واصل الاحتلال مطارته للمقاومين الفلسطينيين، في مناطق السلطة. واعتبر الكيان الصهيوني والراعي الأمريكي للاتفاق، السلطة الفلسطينية، شريكا فعليا في هذه المطارة. وقد أدى ذلك إلى تخفيف الأعباء عن أجهزة الاحتلال، وإحالة تبعة ذلك للسلطة الفلسطينية، مع ضمان بقاء الاحتلال على أراضي الضفة والقطاع. وقد ساهمت السلطة، بموجب هذا الاتفاق في قمع المقاومين، وتسليم قادتهم باليد، لقوات الاحتلال. حدث ذلك للمناضل أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وللمناضل مروان البرغوثي، أحد قادة الجناح العسكري لحركة فتح، وأبرز المخططين لانتفاضة الأقصى، وقادة أخرين، سلوا لقوات الاحتلال، تحت ذريعة الالتزام تنفيذ اتفاقية أوسلو. هذا بالإضافة إلى عشرات عمليات الاغتيال، التي نفذتها أجهزة الأمن “الإسرائيلي”، أمام نظر وصمت السلطة الفلسطينية. بحق قادة في الجبهة الشعبية، وحركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، وقائمة الشهداء، في هذا السياق طويلة.
ووفقا لروح اتفاقية أوسلو، عهد عرفات، بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني وحذف ما يسيء إلى الكيان الغاصب، من بنوده،
لم يعترف اتفاق أوسلو، للاجئين الفلسطينيين بحق العودة، أو الانتماء والإقامة في الدولة الفلسطينية المرتقبة. ولم يأت على ذكر لاجئي عام 1948 إطلاقا. وقيما يخص لاجئي عام 1967، يقول البند الثاني عشر من الإتفاقية إن إسرائيل والفلسطينيين سيدعوان الأردن ومصر لوضع ترتيبات من بينها “تكوين لجنة متابعة ستقرر من خلال اتفاقية ماهية صيغة الدخول لأشخاص شردوا من الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967″م. وهكذا فإن الكلام هنا لا يعدو تنظيم عودة أشخاص، وليس الألوف من اللاجئين. ما المستوطنات الصهيونية، بالأراضي المحتلة، عام 1967، فلا ذكر لها، والواقع أن الكيان الصهيوني واصل إقامة مستوطنات جديدة في الأراضي العربية المحتلة حتى بعد توقيع “اتفاق غزة- أريحا”.
ومرة أخرى، تضامن الراعي الأمريكي للاتفاق مع الحليف الصهيوني فقد استخدمت الإدارة الأمريكية حق النقض(الفيتو) ضد مشروع قرار تقدم به الاتحاد الأوروبي إلى مجلس الامن يطلب من إسرائيل التخلي عن قرارها بناء مستوطنة يهودية في جبل أبو غنيم في القدس الشرقية. استخدمت الإدارة الأمريكية، مرة أخرى (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يطالب الإدارة الأمريكية بوقف الاستيطان في جبل أبو غنيم بالقدس الشرقية.
وعند تسلم بنيامين نتنياهو الحكومة، صرح في اجتماعها الأول، أن حكومته تشجع الاستيطان اليهودي بالضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، و”تعزيز السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس الموحدة”. وحين تسلم أيهود باراك رئاسة الحكومة الإسرائيلية، كد أن لا عودة إلى حدود عام 1967، وأن القدس عاصمة أبدية “لإسرائيل” وتحت سيادتها، وستتم المحافظة على الكتل الاستيطانية الكبرى في أية تسوية.
فيما يتعلق بمستقبل القدس الشرقية، فإن الاتفاقية لم تشر مطلقا لحق الفلسطينيين، بالسيادة عليها، أو على أي جزء منها. بل على العكس، فإن المسؤولين الإسرائيليين ما انفكوا يصرحون بمناسبة وبغير مناسبة أن القدس ستبقى موحدة، وستبقى العاصمة الأبدية لدولة “إسرائيل”.
وبالمثل، اتخذ الراعي الأمريكي لاتفاق أوسلو، وعلى لسان الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون موقفا متحيزا للكيان الصهيوني، من مسألة القدس مغايرا للسياسة الأمريكية الرسمية المعتادة، التي تعتبر القدس الشرقية، أرضا محتلة. فأعلن أمام ممثلي المنظمات اليهودية- الأمريكية أنه “يؤمن بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل”. وبلغت الموقف المتحيز للعدوان قمته باعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس، والامتناع عن تقديم الدعم لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وتحديد مفهوم جديد لللاجئ الفلسطيني، لا يشمل الفلسطينيون الذين ولدوا بالشتات.
ورغم عدم التزام الكيان الصهيوني، بنصوص هذا الاتفاق، التزمت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، حرفيا بنصوصه. ونفذت ما عليها من التزامات واتفاقيات ملحقة وتفاهمات حياله. وقد صادق المجلس المركزي الفلسطيني على إلغاء البنود لتي تدعو إلى إزالة “إسرائيل”، من الميثاق. وقد قاطعت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين جلسات المجلس المركزي الفلسطيني، كما قاطعها فاروق القدومي، رئيس الدائرة السياسية في م ت ف.
وفيما يتعلق بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، تم التوقيع في 4/9/1999على مذكرة تفاهم لتنفيذ اتفاق “واي بلانتايشن” في شرم الشيخ، تعهد فيها ياسر عرفات بعدم إعلان الفلسطينيين، من جانب واحد، قيام دولة فلسطينية.
لقد فرطت القيادة الفلسطينية، بحقوق الشعب الفلسطيني، غير القابلة للمس، والعبث بالذاكرة التاريخية، واندمجت السلطة الفلسطينية، في التوجهات المعادية لحركة التحرر الوطني. وتسببت في انهيارات كبرى، بالجدار الفلسطيني، وفي صراع على الوهم بين حركة فتح في رام الله، وحركة حماس بقطاع غزة، ومزقت وحدة الكفاح الفلسطيني، وأسهمت في تسارع عمليات التطبيع مع العدو الصهيوني، على مستوى العالم.
أوليس من شك في أن حد النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، هو التنافس بين حماس وفتح على السلطة. لقد نحج الكيان الصهيوني في زج أكبر حركتي مقاومة، من حيث الإمكانيات وعدد المنتمين لهما، في الصراع على الوهم. وقد أدى ذلك لاحقا إلى انفصال قطاع غزة، عن في رام الله. وهكذا بات لدى الفلسطينيين سلطتين، في ظل الاحتلال.
وكان لهذا الانفصال تأثيره المباشر، ليس فقط في فتيت وحدة النضال الفلسطيني، بل وعزل الشعب الفلسطيني، في القطاع وغزة، عن بعضه. وأيضا تسببه في الحصار المستمر لقطاع غزة، الذي استمر أكثر من عشر سنوات.
وكانت وثيقة حماس الأخيرة، التي تحدثت عن إدماج العمل السياسي بالعمل العسكري، والقبول بدولة فلسطينية مستقلة بالأراضي التي تم احتلالها عام 1967م، دليلا قاطعا على متواليات التردي التي نتجت عن انفصال الضفة الغربية عن القطاع، وعلى استعداد فرقاء السلطة، في رام الله وغزة، للانخراط بمشاريع التسوية، باستخدام ذات الذرائع التي سيقت، منذ منتصف السبعينيات من القرن المنصرم.
لقد أسهم اتفاق أوسلو، في تسريع عمليات التطبيع، انسجاما مع المخقولة التي سادت منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لدى لمتخاذلين بحق قضية التحرير، بأنهم يقبلون بما تقبل به القيادة الفلسطينية. ومن جهة أخرى، يدفعون بالمنظمة عن طريق العصا والجزرة، إلى الاندفاع أكثر، في طريق التسويات وتصفية القضية الفلسطينية.
وليس من شك، في أن كثيرا من الأنظمة العربية، كانت تنتظر بفارغ الصبر، توصل الفلسطينيين إلى تسوية مع الاحتلال الصهيوني، لتتمكن من غير حرج الانخراط في مشاريع تطبيع مع العدو.
وحديث تسارع الاعتراف الدولي بالكيان الصهيوني، وتطبيع العلاقة معه يحتاج إلى وقفات أطول، ويكفى هنا الإشارة إلى تطبيع العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل. والنمو المضطرد في علاقة الهند، حليفة العرب التاريخية، بالكيان الصهيوني الغاصب، وكل ذلك يعود إلى حد كبير، لنتائج اتفاقية أوسلو.
كما أعاد توقيع اتفاقية أوسلو قضية النظام العربي والنظام الذي صنف بالشرق أوسطي إلى الواجهة. وكان هذا الطرح قد بدأ على نحو جاد، وإن كان جزئيا إثر توقيع معاهدة اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر والكيان الغاصب في آذار/ مارس 1979. فطبقا لهذه المعاهدة بات الصهاينة طرفا في علاقة أكيدة بقطر عربي لعب دورا قائدا في مسيرة الصراع مع الصهاينة.
في هذا السياق، أشار أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل الأسبق- أن الضمان الأساسي لأي اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هو إنشاء شبكة كثيفة من العلاقات الاقتصادية بين “إسرائيل” والأقطار العربية، على غرار نموذج العلاقات الأوربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان شيمون بيريز قد جدد مطالبته أثناء توقيع اتفاق أوسلو ببناء شرق أوسط، من خلال إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة على أساس المياه والسياحة، مثلما قامت السوق الأوروبية المشتركة على الفحم والصلب.
وخطورة هذا الطرح لا تكمن في أنه مفروض من الخارج على العرب فقط، بل في تسويقه تزامن مع مرحلة ضعف وتفكك عربيين واضحين، وتوقع أن تدخل الأمة العربية هذا النظام فرادى، كما دخلت عملية التسوية مع الكيان الصهيوني.
وقد تواصل الحديث عن شرق أوسط جديد بعد احتلال العراق، عام 2003 على لسان وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، ومرة أخرى أثناء حرب تموز/ يوليو على لبنان، عام 2006م، على لسان وزيرة الخارجية الأمريكي، كونداليزا رايس. وفي الحالتين، اعتبر رامسفيلد، احتلال العراق، ورايس الحرب على لبنان، مخاضا لولادة جديدة لشرق أوسط جديد، يكون فيه الكيان الصهيوني، القوة الضاربة ومركز الرحى بالمنطقة.
بقي أن نشير إلى أن المقاوم الفسطيني، ظل صامدا في وجه محاولات تصفية قضية فلسطين، رغم كل التضحيات والدماء. وما مسيرات العودة وماقبلها في قطاع غزة، وتضامن الفلسطينيين معها في سائر الأراضي، فلسطين التاريخية، إلا دليل على حيوية المقاومة وعنفوانها. ولتتأكد مقولة أن المقاومة هي دائما الطريق الأشرف والأنبل، والأقل كلفة، وأنها طريق الأمة للتحرر والانعتاق. وأن مألات التفريط هي المزيد من التفريط والمزيد من الضياع.
​​د. يوسف مكي

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي