أمريكا والمتغيرات في ميزان القوة

11

​​​​​​د. يوسف مكي
شغلت وسائل الإعلام العالمية، هذا الأسبوع، بنتائج زيارة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، إلى الولايات المتحدة، ولقائه في البيت الأبيض بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب. فقد شهد ذلك اللقاء مشادة حادة بين الرئيسين، الذين شهدت العلاقة بين بلديهما بالسنوات الأخيرة، تحالفا استراتيجيا قويا، كلف دافع الضرائب الأمريكي، المليارات من الدولارات.
وصف اللقاء بين الزعيمين، الأمريكي والأوكراني، بأنه شكل سابقة، في حدته بلقاء الزعماء بالبيت الأبيض، أثناء استقبال الضيوف الرسميين لأمريكا، فقد تبارى الرئيس ترامب ونائبه، في إذلال الرئيس الأوكراني، بقوة وصلافة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ألغي غذاء العمل، الذي كان مقررا، للرئيس الأوكراني، وتم طرده من البيت الأبيض، وخرج دون وداع من قبل أي مسؤول أمريكي، وغادز أمريكا خالي الوفاض.
ما يهمنا في هذا الحديث، ليس ما جرى من صدام بين الرئيسين الأمريكي والأوكراني، بل مغزاه السياسي، ووضعه في سياق ما أشرنا له سابقا، في عدة مقالات عن التغير الأكيد في موازين القوة الدولية، لغير صالح الولايات المتحدة الأمريكية.
سلوك الرئيس ترامب، غير اللائق، تجاه الدول الحليفة، لم يقتصر على أوكرانيا وحدها، بل شمل كندا والمكسيك، وبنما، في القارة الأمريكية، كما شمل القارة الأوروبية. وهو في التحليل النهائي، لا ينبغي أن يوضع فقط في خانة، تقييم سلوك الرئيس الأمريكي، دون وعي لحالة التراجع في ميزان القوة الأمريكي. فأمريكا لم تكن في يوم من الأيام، تقدم المعونات والهبات، منتظرة الثواب من السماء، بل كانت تتصرف كقوة عظمى، تبز، أو على الأقل تتكافأ مع غريمها في الهيمنة على السياسة الدولية، الإتحاد السوفييتي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى سقوط حائط برلين، في نهاية الثمانينات من القرن الفارط.
صحيح أن شخصية ترامب، صلفة وفضة في ظاهرها، وذلك أمر لا خلاف عليه، ولكنها في العمق، تعبر عن واقعية سياسية، خلاصتها أن الولايات المتحدة، لم تعد تلك القوة، القادرة على تحمل كلف النفوذ الذي حظيت به، بعد هزيمة النازية. وأن عليها أن تواجه الواقع كما هو، بتبني سياسة جديدة، خلاصتها الانكفاء، وتقليص مناطق النفوذ.
الواقع أن عددا من الاستراتيجيين الأمريكيين، قد طرحوا هذا الاحتمال، غداة سقوط الاتحاد السوفييتي، فقد شبهوا كلا القوتين بمرضى السرطان، توفي أحدهما والأخر، يصارع الموت، معتدا ببقائه، متناسيا أن الأمراض تنخره من الداخل. وأن مرحلة تراجع أمريكا، أمر أت لا ريب فيه.
إن عنوان القوة العسكرية، لدى الدول العظمى، تختزل في عدد الحروب التقليدية التي تشنها، هذا بالتأكيد يستثني الصين الشعبية، التي وجهت جل جهودها، لتصبح قوة اقتصادية عظمى، وتجد نفسها مضطرة الآن، للحفاظ على قوتها الاقتصادية أن تبني قوة عسكرية، تحمي بها قوتها الاقتصادية، وتمكنها من تحقيق مكاسب أخرى، على جميع الصعد. والملاحظ في هذا السياق، أن آخر حرب حقيقية، شنتها الولايات المتحدة هي الحرب على العراق، التي انتهت باحتلاله عام 2003.
هناك تدخلات عسكرية في عدد من بلدان العالم، لعل الأبرز بينها التدخل الأمريكي في سوريا، وبناء قاعدة التنف على أرضها، قريبا من الحدود مع الأردن، ​في تحد واضح للقانون الدولي، لكن ذلك التدخل، بسبب الأوضاع التي تمر بها سوريا، لم يواجه بمقاومة حكومية، بسبب خروج تلك المنطقة عن سيطرة الدولة، لأكثر من عقد من الزمن. وأيضا وجود عدد من القواعد العسكرية بالعراق، تأسست بعد احتلاله، وبقيت قائمة حتى يومنا هذا.
ما يجعل الشعب الأمريكي، رافضا للتدخلات الأمريكية في الخارج، رغم تأييد شديد، من أقطاب الدولة العميقة، في الداخل، هو حجم ما تتكبده الولايات المتحدة من خسائر في الأرواح البشرية. فعدد النعوش العسكرية القادمة إلى أمريكا، هي التي تصنع الرأي العام الرافض للحرب، وتكون قادرة في النهاية على تغيير السياسة الأمريكية. هكذا كان الحال، في كوريا والحرب في الهند الصينية، حيث بلغت الخسائر في حرب فيتنام وحدها، أكثر من خمسين ألف قتيل أمريكي، وخمسمائة ألف جريح.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تبنت الولايات المتحدة، مشروع مارشال لإعادة إعمار القارة الأوروبية، وحققت ذلك بالفعل، وتعهدت بحماية أوروبا الغربية، وبنت قواعد عسكرية عديدة، تحت ذريعة تأمين حماية القارة. وحين سقط الاتحاد السوفييتي، تعهد الرئيس الأمريكي، بل كلينتون، لنظيره الروسي، بوريس يلتسن، بعدم التقدم نحو الجمهوريات السوفيتية السابقة، لكن الأمريكيين أمام إغواء القوة أو إغرائها، نكثوا بكل وعودهم، وضموا جميع بلدان أوروبا الشرقية إلى حلف الناتو، بما في ذلك الجمهوريات التي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي.
إن أخذ مجمل الحقائق التي أشرنا لها في الاعتبار، ومقاربتها مع سياسة ترامب الراهنة، تجاه أوكرانيا، والقارة الأوروبية بأشملها، تقدم خلاصة تنفيذية واحدة لا غير، هي تراجع القوة الأمريكية، في مختلف المجالات، لصالح القوة الفتية الصاعدة، الصين الشعبية، والاتحاد الروسي.
إن مرحلة تاريخية جديدة، للجنس البشري قد بدأت بالفعل، وعلينا جميعا وعي مجرياتها، واغتنام فرصها، لكي نأخذ مكاننا اللائق بين الأمم، في عالم يفور بالصراعات، وليس فيه مكان إلا للغة القوة، وشرط ذلك احترام مبدأ التضامن العربي، والالتزام بالأمن القومي الجماعي، قبل أن يجرفنا الطوفان.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي