أمريكا ما بعد ترامب

0 378
حدث ما توقعناه في الحديث السابق، فقد حصد جوزيف بايدن، منافس الرئيس ترامب، أصواتا ساحقة، نقلته من مرشح للرئاسة، إلى الرئيس المنتخب. ورغم اعتراض ترامب على هذه النتائج، وتهديده باللجوء إلى القضاء، لكن هنالك إجماع حتى داخل فريق عمله، وأيضا من قبل زعماء متنفذين في الحزب الجمهوري، أن الموضوع صار منتهيا، وأن بايدن هو الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة من غير منازع.
والواضح من خلال بيان النصر، أن بايدن قد وضع تفاصيل أجنده للمئة يوم الأولى، من وصوله للبيت الأبيض. كما أصبحت واضحة إلى حد كبير، الأسماء التي ستتصدر الوزارات المهمة في حكومته.
سيركز الرئيس المنتخب، في أيامه الأولى على احتواء وباء كرونا. وفي هذا السياق، أعلن أنه سيشكل فورا لجنة من العلماء، لوضع خطة عمل واضحة لاحتواء الوباء، قبل التفرغ للمهام الأخرى، وسيتوجه نحو إصلاح القضاء. وإعادة بلاده إلى موقعها الذي كانت عليه قبل وصول ترامب للبيت الأبيض. وسيلغي قرارات ترامب، التي انسحب بموجبها من اتفاقية حماية المناخ، ومنظمة الصحة العالمية، واتفاقيات أخرى…
فيما يتعلق بالسياسة الدولية، يتوقع أن تسود كما هي العادة لدى قادة الحزب الديمقراطي، الذين وصلوا إلى سدة الحكم، سياسة القفازات الناعمة، والضاربة في آن معا. يتوقع اتساع دائرة الخلافات مع روسيا والصين، وأن يعاد تسعير الأزمة مع كوريا الشمالية، لكن ذلك لن يبلغ حد الحرب الباردة، فمثل ذلك لا يتسق مع شخصية الرئيس الجديد.
فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن الذي لا شك فيه، أن صفقة القرن ستكون من الماضي، وستنتهي بانتهاء عهد ترامب. لكن ذلك لا يعني، أن التحالف الاستراتيجي، بين أمريكا والكيان الصهيوني سيتراجع عما كان عليه في السابق، بل سيأخذ أشكالا أخرى.
في هذا الاتجاه، يميل بايدن لسياسة الآباء المؤسسين، للكيان الغاصب الذين هم في الأساس من جماعات تنتمي للتيار “الليبرالي”، مثل بن ديفيد غوريون وموسى شاريب واسحق رابين وشمعون بيرير. وهؤلاء لأسباب تتعلق بيهودية الدولة، اتجهوا منذ بداية التسعيينات من القرن المنصرم، نحو تبني قيام دولتين على أرض فلسطين التاريخية, إن سياسة ضم الأراضي التي احتلت عام 1967، من وجهة نظرهم، ستشكل تهديدا للأمن، وستلغي يهودية كيانهم، لأن النمو السكاني وسط الفلسطينيين هو أضعاف النمو وسط اليهود.
وعلى هذا الأساس، تفاوض بيريز ورابين مع منظمة التحرير الفلسطينية. وتوصلوا عام 1993، لتوقيع اتفاقية أوسلو، بين منظمة التحرير وحكومة الاحتلال. ولذلك يتوقع أن يعيد الرئيس المتخب الحياة مجددا، لمفاوضات السلام، التي انقطعت بعد وصول ترامب للبيت الأبيض، على قاعدة الاعتراف بقراري مجلس الأمن الدولي، رقم 242 و338.
سيتركز دعم بايدن للدولة اليهودية، بشكل خاص، على المزيد من المساعدات الاقتصادية والمالية، وأيضا تقديم أحدث ما في الترسانة الأمريكية من أسلحة فتاكة، تحت ذريعة حماية أمنها من التهديدات الخارجية، بما يجعل منها باستمرار القوة الأكبر، بين جميع دول المنطقة.
في سياق السياسة الدولية، سيعيد بايدن الاتفاق النووي الإيراني، بعد تعديلات طفيقة عليه. وهناك خشية من اقترابه نحو اثبوبيا، ومن تراجع إدارته عن سياسة ترامب حيال دعم مصر، في موضوع سد النهضة. وربما لن تسير العلاقة بين مصر وأمريكا بشكل جيد، خاصة وأن الديمقراطيين يعتبرون القيادة المصرية، مسؤولة بشكل أو بآخر، عن فشل تمكين “الإسلام المعتدل” للسلطة، بمعنى تسلم الأخوان المسلمين، للحكم، والذي هو جوهر مشروع أوباما، الذي ارتبط بما عرف بالربيع العربي.
هناك أيضا قضايا حقوق الإنسان، وهو موضوع طرحه بقوة الرئيس المنتخب حوزيف بايدن، وأعادت نائبته كمالا هاريس التأكيد عليه. وقد يقتضي ذلك حدوث تغيرات سياسية دراماتيكية بالمنطقة، سبق لقادة في الحزب الديمقراطي أن أقدموا عليها في العقود الماضية. ويكفي في هذا السياق، الإشارة إلى أن انقلاب سوهارتو في اندونيسيا، التي تم في أواخر الستينيات، قد حدث أثناء عهد الرئيس الديمقراطيون، ليندون جونسون، ووقفت خلفه المخابرات الأمريكية. وكان انقلابا دمويا بكل المقاييس. التاريخ لا يعيد نفسه بكل تأكيد، ولكن استشراف المستقبل، لا يجب أن يغفل عن مضاهات ما جرى بما يمكن أن يجري.
من المؤكد أننا أمام مرحلة تارخية جديدة، يتوجب علينا التنبه لها، ومتابعة مايجري بحذر، ولكن من غير توجس، وبما يضمن تأمين مصالحنا وحقوقنا القومية والوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

17 + خمسة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي