أمريكا ما بعد أوباما والنظام الدولي

0 451

نستخدم تعبير النظام الدولي، في هذه المقالة، بشكل مجازي، حيث أن العالم الآن يعيش فوضى غير مسبوقة، بسبب انهيار النظام الدولي الذي جرى تدشينه بعد الحرب العالمية الثانية، والذي لم يتشكل بعد بديلا عنه، رغم مرور أكثر من ربع قرن على سقوطه.

 

ارتبط النظام الدولي، الذي تأسس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بقيام نظام دولي يستند على ثنائية قطبية، وكان نتاج تسويات تاريخية، بين المنتصرين، جرت بعض مخاض طويل ومفاوضات مضنية في يالطه والدار البيضاء، ومدن عالمية أخرى، وانتهت بتتويج الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، على عرش الهيمنة العالمية.

وكانت أهم ملامح هذا النظام العالمي، أن قوامه دولتان تتصارعان عقائديا وسياسيا وعسكريا، وتختلف مناهجهما الاقتصادية، وطرق ممارستهما في الحكم. وقد أدى ذلك إلى اشتعال تنافس محموم، استمر قرابة أربعة عقود ونصف، وتسبب في أزمات مستعصية بين البلدين، بلغت قمتها بالحرب الكورية، وأزمة الصواريخ الكوبية، والحرب في الهند الصينية، بقيتنام ولاوس وكمبوديا، وبلغت حدة الصراع بين القطبين المتنافسين، حافة الحرب النووية. وتم توصيف العلاقة بين البلدين، طيلة تلك الحقبة، بالحرب الباردة.

انتهت تلك الحقبة، بسقوط الاتحاد السوفييتي، والكتلة الاشتراكية، وسادت حقبة مظلمة في التاريخ الإنساني، اتسمت بغياب التنافس الدولي، وهيمنة قطب واحد على صناعة القرارات الأممية. ولأن الواقع الجديد لم يستند على تسويات تاريخية، بل كان نشازا في التاريخ الإنساني، حيث لم تعرف حقبة تاريخية أخرى، في التاريخ القديم أو المعاصر، تفردت فيها قوة على مصير البشرية بأسرها. ولأن تلك الحقبة كانت نشازا، وضد ما هو مألوف إنسانيا، من قانون صراع الإرادات، لم يكن لها أن تستمر طويلا.

ولم يمض على هيمنة اليانكي، سوى ثلاثة عشر عاما، حتى بدأت التحديات تواجهه من كل صوب. وكانت بداية التحدي قد جاءت من الغرب، حين هددت الحكومة الفرنسية، باستخدام حق النقض، في مجلس الأمن، عام 2003 إذا ما صدر قرار أممي يجيز الحرب على العراق واحتلاله. ثم كما يقال، كرت السبحة، وبدأت الصين في تحدي القرارات الأمريكية. وكان أشهر المواقف الصينية المتحدية للهيمنة الأمريكية، هي الإنذار الصيني، باحتلال فرموزا، في حال لم توقف إدارة الرئيس بل كلينتون، صفقة الطائرات المتطورة، التي أعلنت عن عزمها تزويدها للصين الوطنية. وكان ذلك سببا في تراجع الرئيس كلينتون عن تلك الصفقة وإلغائها، ربما للأبد.

وكانت المحطة الأكثر وضوحا، في تحدي السياسة الأمريكية، هي الموقفين الروسي والصيني، من الأزمة السورية، واستخدامهما حق النقض، في مجلس الأمن الدولي، لابطال قرارات عن المجلس، تقف خلفها الإدارة الأمريكية.

وكان الملمح الآخر، لتحدي السياسة الأمريكية، هو تغول ظاهرة الإرهاب، وانتشارها بشكل أفقي، في عدد كبير من البلدان، في آسيا وأفريقيا وأوروبا وفي قلب الولايات المتحدة ذاتها. وكان ذلك هو التعويض العملي والطبيعي، عن تجميد تنافس صراع الإرادات بين الدول الكبرى. ولم يكن لهذه الظاهرة أن تنتشر إلا في ظل غياب التوافقات والتسويات الدولية.

حقبة الرئيس باراك أوباما، كانت بحق فترة انتقال، من هيمنة القطب الواحد إلى التعددية القطبية، وإعداد المسرح لنظام دولي جديد، لم يتشكل بعد، ولكن ملامحه بدأت تتضح، من خلال النمو الكاسح للاقتصاد الصيني، وعبر منظومة البريكس، وتجمع شنهغاي، وأيضا في تحدي روسيا بوتين، للسياسة الأمريكية أوروبا الشرقية وفي منطقة الشرق الأوسط، وفي الأزمة السورية بشكل خاص. وقد دفعت هذه التطورات بصاومويل هنتنجتون، صاحب نظرية صراع الحضارات، بالقول، بأن العالم، بدأ في مرحلة التعددية القطبية، لكن بقيادة أمريكية.

مرحلة ما بعد أوبابا، ستشهد ولادة النظام الدولي الجديد، متعدد الأقطاب. لكن هذه الولادة لن تكون عسيرة. فالولايات المتحدة لن تسلم بسهولة بالتنازل عن عرش الهيمنة الدولية. وربما يضيف وصول هيلاري كلينتون لسدة الرئاسة، وهو ما باتت كل المعطيات ترجحه، تعقيدات أخرى، لعملية انبثاق النظام الدولي الجديد.

فالسيدة كلينتون، رغم أنها تنتمي للحزب الديمقراطي، إلا أنها الأقرب إلى يمنيه، بخلاف الرئيس أوباما، الذي هو أقرب إلى الوسط، إن لم يكن على يسار تركيبة هذا الحزب.

وهي أقرب إلى تفكير زوجها، الرئيس الذي تولى قيادة الولايات المتحدة لدورتين رئاسيتين. وعرف عنه حماسه “لإسرائيل”، ورعايته للتسويات بين الأردن والكيان الصهيوني، وأيضا رعايته لحفل توقيع اتفاقية أوسلو، في البيت الأبيض، بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، اسحق رابين، وبين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات.

ومعروف عن كلينتون الزوج، حماسه لمشروع تقسيم العراق، فهو الذي دشن خارطة العراق الجديد، من خلال فرضه لمناطق الحظر الجوي في الشمال والجنوب، والتي أعطت زخما قويا للتمرد الكردي على المركز، في بغداد. وفي عهده نفذت العملية العسكرية، التي أطلق عليها تسمية ثعلب الصحراء، وجرى تجديد العراق، من ممكناته العسكرية.

وفي هذا السياق، يتوقع المتابعون للسياسة الأمريكية، أن تنحو السيدة كلينتون حذو زوجها، في السياسية الخارجية، عند تسلمها سدة الرئاسة. وربما يفسر ذلك حماس كثير من الجمهوريين، لوصولها للبيت الأبيض، ومن ضمنهم الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن، وسحب أكثر من مائة وخمسين شخص، من قياديي الحزب الجمهوري تأييدهم لمرشحهم ترامب.

مرحلة ما بعد أوباما ستكون حبلى بأحداث جسام، لكن التوجه السياسي الدولي، يؤشر حتمية الوصول إلى اتفاقية وتسويات تاريخية، تعيد الاعتبار لمنظومة القانون الدولي، وتسهم في ترصين العلاقات بين الأمم، وتنهي حقبة العربدة وانتهاك القوانين الدولية.

makki@alwatan.com.sa

كاتب أكاديمي سعودي متخصص في السياسة المقارنة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة عشر − أربعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي